العقول الملوثة دائما ما ستجد السبب الذي يمكنها من رؤية أي تصرف أو عمل على أنه يقصد به إما تجاوز أو خروج عن المعتاد، أو هجوم على المفاهيم الصحيحة التي يرون أنهم يحملون مفاتيحها وحدهم؛ ولذلك ستجد أن المحاسبة بالنوايا هي السمة التي تغلب على تعامل بعض المؤسسات التي تعنى بشأن الفضيلة في المجتمع، وكأن الفضيلة ذاتها منتج حصري ذو مواصفات ومقاييس لا أحد يعيها إلا هم.
الحضن المجاني الذي انتشر كممارسة بين بعض الشباب؛ بهدف نشر المودة والتعارف يمكن أن يرى بأنه طريقة مريضة في التنفيس الجنسي، كما أنه يمكن أن يرى باعتباره وسيلة شبابية في نشر التواد بين الناس، وخلق روح التآخي والصداقة بينهم، فمن يراها باعتبارها تنفيسا مريضا ينطلق في تقديري من منطلقات أن لا شيء في هذه الحياة بالمجان، وأن المجان هذا ما هو إلا مصيدة يهدف من خلالها تحقيق مبتغى خارجا عن العرف والدين، في حين يراها الثاني من منطلقات روح العصر الذي يرى الجميع باعتبارهم متساوين وأخوة في الوطن والهم.
من المضحكات ما نشر في أحد المواقع تحت عنوان: حضن مجاني.. تصرفات شاذة قادمة من الكيان الصهيوني بينما عندما تقرأ المادة الصحفية ستجد إشارة واضحة أن مبتكر فكرة الحضن المجاني هو شاب أسترالي، وعليه فكما أن لديهم القدرة على تحويل الأسترالي إلى إسرائيلي بجرة خيال يرى العالم كله مؤامرة عليهم بإمكانهم أن يحولوا موضة شبابية جريئة إلى عمل شاذ يقصد به تدمير الأمة ومحاربة الإسلام.
شخصيا لست بالضرورة من مؤيدي هذه الممارسة، ولكني في ذات الوقت لا أرى أنها جريمة يعاقب عليها الفرد بحجة التفسير الذي يراه ذلك المتسلط، والذي من المعروف عنه أنه يرفض أي ممارسة أو تصرف أو تفكير أو اختراع أو كلمة لا تنطلق من مفاهيمه الشخصية لما يجب أن تكون عليه الحياة الإسلامية القويمة.
الغريب أن ممارسة الأحضان تعد من أبرز ما تتميز به لقاءات هؤلاء، إلى جانب التقبيل على الأنف والخد والرأس، في احتفالية تبويس يقصد منها التعبير عن الحب والألفة والمعزة التي تربطهم ببعضم، فكيف أصبح الحضن المجاني حراما وعيبا وشذوذا، وتبقى أحضانهم حلالا.
قد يكون السبب مرده بأن هؤلاء لا يؤمنون بأن الإنسان العاقل يمكن أن يقوم بأي عمل بالمجان، فكل عمل بني آدم من وجهة نظرهم له ثمن، أما الحب والتآلف بين الناس فهو فضيلة وهو التخصص الذي وحدهم يملكون حصريته في المجتمع.