من لم يلتمس العذر في تغريدة مدير جامعة طيبة ويفترض حسن النوايا فقد ابتعد عن المنطق، غير أن ما تم تداوله ليس تضخيماً بقدر ما هو ردة فعل على الشعور العام بعدم 'الشفافية'
يبدو أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم الأسرع للمتلقي والأقرب للمتابع؛ ولذا لم يكن سهلاً على مختلف فئات المجتمع تجاهل التعاطي مع هذه الأقنية التواصلية الجديدة التي أصبحت اليوم تحمل بعداً إعلامياً وثقافياً واجتماعياً، وصار الكل قادراً على حمل الإعلام في جيبه!
ولم تعد وسائل الإعلام الجديد حكراً على الشباب أو طلاب الجامعات كما كانت بداياته الأولى، بل أصبح رؤساء الدول والوزراء والسياسيون والمشاهير من المفكرين والمثقفين والفنانين ورجال الدين وغيرهم يتفاعلون مع عامة الناس في هذه المواقع، فذابت الفوارق والحواجز إلكترونياً حتى أصبح الفارق بين النخب وعامة الناس يكاد يختفي تماماً، لا بل إن بعض التغريدات كأنها تحمل جناحين تطير بهما إلى أبعد الآفاق.
خلال الأسبوع الماضي، حملت تغريدة معالي مدير جامعة طيبة الدكتور عدنان المزروع عبر حسابه في تويتر، خبر تعليق الدراسة والعمل في بعض مرافق الجامعة يوم الثلاثاء الماضي نظراً للعطل المفاجئ في التكييف، كما أكد بتغريدته، وبهذه التغريدة حلّق المغردون في كل الجهات طوال الأسبوع، معتبرين أن الأمر لم يكن كذلك بل هو نتيجة اقتحام عدد من العمالة الإثيوبية الوافدة لسور الجامعة، وقد جاءت تصريحات الناطق الأمني لشرطة منطقة المدينة المنورة لتثبت تجمّع عدد من الإثيوبيين خارج سور مدينة الحجاج، وتمكن حوالى 15 شخصاً من الدخول إلى جامعة طيبة الملاصقة لمدينة الحجاج.
أما تغريدة معالي الدكتور المزروع التي حلّقت في معظم وسائل الإعلام المقروءة التقليدية والإلكترونية، فقد ذهب كثيرون مع الأسف إلى أبعد من النقد متجهين إلى الاتهام، وهنا سوف أحاول تحليل الموضوع وتبعاته من خلال ثلاثة عناصر رئيسة، يملي عليّ المنطق والإنصاف أن أشيد في عنصرين منهما، وأعتب في عنصر واحد.
عنصر الإشادة الأول هو تفاعلية معالي مدير جامعة طيبة وحيويته عبر موقع التواصل الاجتماعي تويتر، سواء فيما يخص عمله كمدير للجامعة، أو ما يتعلق بالتغريدات التي يبثها وتعبر عن آرائه الشخصية، وهذا الفعل الحضاري يفترض أن يحمل الإشادة والتقدير، بل والاقتداء من قبل بعض المسؤولين المحجمين عن المشاركة المجتمعية من خلال مواقع التوصل الاجتماعي.
وعنصر الإشادة الثاني هو سرعة اتخاذ القرار الاحترازي الذي اتخذه الدكتور المزروع بتعليق الدراسة مبكراً وإعلانه ذلك عبر التغريد في تويتر، على اعتبار أنه اليوم من أسرع الوسائل لوصول المعلومة إلى أكبر شريحة من المستخدمين، وهذا القرار باعتقادي يستحق الشكر والإشادة، لأن القضية لو لم تدر بهذه السرعة والسهولة لربما تسبب دخول بعض موظفات وطالبات الجامعة إلى المكان بمشكلة لا نعلم أبعادها وإلى أي حال ستؤول.
أما عنصر العتب هنا فهو امتداد للعتب المطروح في وسائل الإعلام والذي تناقلت الصحف الرسمية وغير الرسمية شيئاً منه، وضجت به بعض مواقع الإعلام الاجتماعي. والعتب يتركز على موضوع الشفافية، فالمتلقي لم يكن يعلم حقيقة ما حصل هل هو عطل في أجهزة التكييف كما أعلن معاليه، أم أن الأمر تبرير خاطئ، أم هو اجتهاد خاطئ في التورية عن عملية تسلل عدد من العمالة الإثيوبية، حتى لا يربك أمن الوطن وأمن الجامعة؟
مع الأسف الشديد -وأقولها هنا بكل صراحة- إن الصحافة الرسمية التي تناولت الموضوع، وكذلك المغردون قد ألمحوا ضمنياً إلى عدم المصداقية وعدم الشفافية، والأخبار والتقارير الصحفية التي رصدت الحادثة تشير إلى هذا الأمر.
وهنا أقول كان لزاماً تفسير ما حدث، أو تبريره، أو حتى الاعتذار عنه، لأن الإعلام سلاح ذو حدين، إذا اقتربنا منه أكثر من المسافة المفترضة ربما يحرقنا، كما أن الابتعاد عنه كلياً يجعلنا نعيش في الظلام وبالتالي قد نصطدم بما لم نتحسب له.
لقد جاء تصريح الناطق الإعلامي بجامعة طيبة الدكتور عيسى القايدي ليقول: إن ما تم تداوله في بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من تضخيم للحدث غير دقيق، وهنا أقول إن من لم يلتمس العذر في هذه التغريدة ويفترض حسن النوايا فقد ابتعد عن المنطق الذي يفترض الالتزام به. غير أن ما تم تداوله ليس تضخيماً بقدر ما هو ردة فعل على الشعور العام بعدم الشفافية، ولا سيما أن التعاطي مع الإعلام يستلزم الشفافية والتبرير بطريقة يتقبلها المجتمع، فالمجتمعات أصبحت شبه إلكترونية اليوم، فمجمل التقنيات الاتصالية الحديثة محفّزة على ظهور المواطن الإلكتروني النشط كصيغة فردية واجتماعية.. وهذا ما سيكون موضوع مقالنا القادم.