سألني أحد الإخوة عن رأيي فيما إذا كان العرب يقرؤون، وسارعت في الإجابة بأن القراءة أصبحت اليوم أحد مظاهر الانفتاح الفكري الذي يتميز به شبابنا، ومكونا أساسيا لذخيرة عقول أصبحت أكثر جدالا ورغبة في التلاقح العقلي مع بعضها، مستندا في ذلك لمنطق التغير الاجتماعي وتزايد أعداد زوار معارض الكتاب التي تقام في كل الدول العربية، إضافة لاتساع شعبية الأدباء والكتاب على ساحة التأثير الاجتماعي.
إلا أني وبعد أن قدمت تلك الإجابة - التي تبدو منطقية - راجعت نفسي قليلا وقلت: لعلي أتفحص المصادر المحايدة والعلمية التي ستوضح لي ما إذا كان ردي السريع ذاك يتطابق مع الإحصاءات المتوافرة حول الأمر وهل بالفعل نحن شعب يقرأ؟ وهل نحن فعلا أمة اقرأ؟
كانت صدمتي كبيرة؛ فتحليلي المنطقي تحطم إلى ألف قطعة وتشتت حتى أصبح لا قيمة له، فالأرقام التي تثبتها الإحصاءات التي قامت بها مراكز البحث الإقليمية والدولية تقول: إننا تخلينا تماما عن الاطلاع والقراءة وربما اكتفينا بالصحف والإنترنت والتلفزيون كمصادر تغذينا بالآراء والمعلومات المعلبة والجاهزة لاستهلاك العقول العقيمة.
يشير أحد تقارير اليونيسكو إلى أن القراءة تأتي في المرتبة الأخيرة من اهتمامات المواطن العربي، كون معدل القراءة للفرد العربي لا يتجاوز ست دقائق في السنة، وهو المعدل ذاته الذي يقرأ فيه الطفل الأميركي، ولكن في اليوم الواحد، في حين يقرأ الفرد البالغ في أوروبا وأميركا 200 ساعة سنويا.
كما تشير إحدى دراسات المركز العربي للتنمية إلى أن كل 20 مواطنا عربيا يقرؤون مجتمعين كتابًا واحدًا في السنة، بينما يقرأ نظيره البريطاني 7 كتب، والمواطن الأميركي 11 كتابا، أي 220 ضعف ما يقرؤه المواطن العربي، إضافة إلى أن البلدان العربية تقوم سنويا بنشر كتاب واحد لكل ربع مليون شخص، في مقابل كتاب واحد لكل خمسة آلاف شخص في أوروبا.
كنت دائما أمني النفس بإقناعها بأننا شعب يقرأ، ربما لكوني آمل في أن يكون مستقبلنا أكثر انفتاحا واطلاعا للوصول لمجتمع أكثر تفهما وتسامحا، إلا أنه لابد لي اليوم، أن أقر بأن القراءة التويترية هي أقصى ثقافة مجتمعنا، وأن معلومات من سيربح المليون هي الثقافة العامة في أقصى حدودها، وأن الأمة التي طالما افتخرت بمنجزاتها الفكرية، تقف اليوم منتظرة على حافة الحضارة لعابر سبيل يخرجها من سباتها الفكري وعقمها الثقافي.