لن يسمح لك الكثير بالمساس أو اختراق ما استقر في الذاكرة، أو الاقتراب من 'جسر اللوزية' مهما حاولت أن تصرخ
لن يسمح لك الكثير بالمساس أو اختراق ما استقر في الذاكرة، أو الاقتراب من جسر اللوزية مهما حاولت أن تصرخ ضد من سارت بالأمس في درب القمر وسقطت اليوم ضحية التوظيف السياسي القبيح، والاصطفاف الحزبي الكريه، ها هي فيروز تصاب بالعمى الفاجع، وتخضع للمسكوكات العبثية وتنحر صوتها الأخضر في أقبية التضليل ومجاهيل الغدر وحمى المزايدات، لم تعد تبصر فيروز وهي تطل من نافذتها رفيف أجنحة العصافير المخضبة بالدم، وجماجم الأطفال المضرجة بحمم الرصاص الملتهب، ونحيب الثكالى على شواهد القبور وخناجر الطغاة وهي تمعن في التصفية والتطهير العرقي والطائفي، لقد ارتفع منسوب العشق الفيروزي وفيوضاته وجاذبيته، مما جعل السيدة تبوح بحبها لصنم الضاحية الجنوبية الشاطر حسن ولسيدة الجزار الدمشقي، هنا تسقط اللافتات الملونة، وتتمزق الستارة المتأرجحة على وجه المسرح، وتخلع المرايا عباءتها لتبدو تلك الكائنات الخرافية مشبعة بسخام الحرائق، وتناقضات المواقف السوداء، والانعتاق القيمي المحموم واستبطان الضغينة الموتورة والماحقة لمعنى الحياة والتعايش، هل خدعنا ذلك الصوت ولنصف قرن حين كان يرف ويحلق على الرؤوس كأسراب النوارس، وفراشات العبق اللذيذ وسحر الطفولة الناعسة، من خطف حنجرتها بثرائها الفاحش ليستلها ويحيلها إلى مخدع مظلم وفأس وحشي وطحلب ميت؟ من قادها لتدخل ذلك النفق والسرداب الحممي ليصيبها العفن الرجيم والغبار المستبد؟ من حثا على تاريخها التراب وأغمض عينيها عن أن ترى المجازر والدمار والهلاك، وصرخات الموت وجز الرقاب وصمت الأضرحة، وصعق الأطفال وانتهاك الأعراض ومخالب البراميل وهي تضرم النار وتطفئ الأنفاس في الأحياء والحقول وغابات الفراديس؟ كانت تصدح حنجرتها ذات يوم خايف أقول اللي في قلبي ولم نكن ندرك ماذا في قلبها، حتى باحت بذلك السم الحارق والتحول المرعب والذي استشعرنا وشممنا فيه رائحة البارود، وشظايا الإثم والمجاهرة بالكراهية وذبح الإنسانية، ومصادرة حق الشعوب في تقرير مصائرها والإفلات من قبضة المجرمين والقتلة، هناك رموز فاسدة وخادعة لم نكن نعرف دواخلها، حتى كشطت لنا قبضة الأيام ومواريث الليالي ما تفيض به الوجوه من صدأ آسن وتسييس بغيض وطفح مخاتل ومحتدم، إنها الخطيئة والابتذال الرخيص حين ينسل المبدع من مبادئه العليا ويترنح تحت مطارق الزيف والإذعان الموبوء، ليحترق كعود ثقاب ودخان يتصاعد من أرجيلة هرمة، اعلم أن هناك من يرفع في وجهك العصا الغليظة وتلوب في صدره زفرة الضجر والضيق بما قلناه في داخل الأقواس ولكنه الاختبار الصعب لتلك المخلوقات حين يفضحها الهروب المذل والنكوص العبثي، أمام بوابة المنعطف الأخلاقي وروح اللحظة.