'نزاهة' تقوم بالتحري للكشف عن قضايا الفساد، وقد يتفق هذا التحري مع التحقيق في كونهما يهدفان إلى البحث عن الحقيقة، ولكل منهما ضوابط ومعايير معينة قد يشتركان في بعضها
ذكر رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ـ حسبما نقلته إحدى الصحف المحلية ـ أنه ليس من صلاحية نزاهة التحقيق أو الاستجواب أو التحقيق الجنائي أو المحاكمة؛ لأن التحقيق والمحاكمة مسندان لجهات أخرى مستقلة بموجب أنظمة، ولم يكن من المناسب أن تسند إلى نزاهة هذه الأمور.. فهو مسند إما إلى هيئة الرقابة والتحقيق بالنسبة للموظف العام، وإما هيئة التحقيق والادعاء العام، وقال أيضا: ولم يكن من الممكن أساسا أن يسند هذا إلى نزاهة، ومن باب الاستقلالية أيضا، فلا يمكن أن تتهم وتحقق وتحاكم.
والكلام السابق لرئيس الهيئة صحيح ولا غبار عليه، بالرغم من مخالفته للاعتقاد السائد عند المواطنين بأن من صلاحية الهيئة التحقيق في جرائم الفساد، ومن ثم إحالتها إلى القضاء، ولكن السؤال المطروح هنا: إذا كان التحقيق ليس من صلاحيات نزاهة، فكيف تستطيع كشف قضايا الفساد؟
فالمادة الثالثة من تنظيم نزاهة ينص على إحالة المخالفات والتجاوزات المتعلقة بالفساد المالي والإداري عند اكتشافها إلى الجهات الرقابية أو جهات التحقيق بحسب الأحوال، كما أن الفقرة 2 من نفس المادة تنص صراحة على التحري عن أوجه الفساد المالي والإداري في عقود الأشغال العامة..، ومن هنا نستنتج بأن هناك فرقا بين التحقق والتحري أو التقصي بمعنى التأكد، وبين إجراء التحقيق في جرائم الفساد، التي تعني الضبطية القضائية والادعاء العام في المحاكم.
وهذا يعني أن التحقق يكون من مسؤولية نزاهة، والتحقيق من مسؤولية هيئة الرقابة والتحقيق أو هيئة التحقيق والادعاء العام؛ تمهيدا لإحالة المخالفات والتأديب وقضايا الفساد إلى المحكمة المختصة.
وللتوضيح أكثر، فإن مسؤولية نزاهة تتمثل الاستقصاء والتحري في قضايا الفساد والبحث في تفاصيلها، وأما التحقيق فهي مرحلة قضائية تستهدف الكشف عن الحقيقة في الدعوى الجزائية، والحصول على الأدلة الضرورية للعرض على القضاء.
وعلى هذا الأساس، فإن نزاهة تقوم بالتحري للكشف عن قضايا الفساد وقد يتفق هذا التحري مع التحقيق في كونهما يهدفان إلى البحث عن الحقيقة، ولكل منهما ضوابط ومعايير معينة قد يشتركان في بعضها، ولكن التحري يركز أكثر على الواقعة، والتحقيق يركز على المسؤول عن هذه الواقعة لتطبيق العقوبات والجزاءات اللازمة عليه في حال ثبوت التهمة وإدانته على ذلك.
وبعدما عرفنا الفرق بين التحري والتحقيق، والجهات المسؤولة عن ذلك، تبقى مشكلة تقنيات وأساليب كشف وقائع الفساد وإثباتها حتى يمكن إحالتها إلى جهات التحقيق، فإذا كانت إجراءات التحقيق تخضع لضوابط صارمة ومعلنة، وأية خطأ أو سهو في تطبيقها فإنه يؤدي إلى رفض الدعوى القضائية من الناحية الشكلية وبالتالي عدم البت فيها.
أما بخصوص إجراءات التحري، فإنها لها ضوابط ومعايير وتحتاج إلى أدلة إثبات، ولكن على ما يبدو أنها غير موجودة أو مجهولة أو على الأقل فأنها لا تطبق، وهذه هي المشكلة التي تعاني منها نزاهة والأجهزة الرقابية الأخرى مثل ديوان المراقبة العامة، وهذا أدى إلى صعوبة في كشف جرائم الفساد وإثباتها، وأدى أيضا إلى تعريض إجراءات التحقيق والإجراءات القضائية للخطر.
كنت قد تحدثت في مقالة سابقة وباختصار عن ضعف آليات كشف الفساد والخلل الموجود في منظومة المساءلة، وكذلك تعامل الجهات الحكومية مع نزاهة وديوان المراقبة، وقد بحثت في الموقع الإلكتروني لنزاهة عن معايير أدلة الإثبات في وقائع الفساد، وكيفية التعامل معها والحصول عليها من خلال المقابلات الشخصية مع المسؤولين في الجهات الحكومية، وخطط التحري والاطلاع على الأنظمة والمعلومات وتحليلها، ولكن للأسف لم أجدها في الموقع.
وقد بحثت أيضا في الموقع الإلكتروني لديوان المراقبة العامة، ووجدت معايير المراجعة الحكومية، وقد تضمنت وبشكل مقتضب معايير أدلة الإثبات في المخالفات، ولم تتحدث بشكل صريح عن حالات الغش والاحتيال وكيفية التعامل معها، وركزت في النهاية على أنه في حالة اكتشاف مخالفة، فللديوان أن يطلب تبعا لأهمية المخالفة من الجهة التابع لها الموظف إجراء التحقيق اللازم ومعاقبته إداريا أو أن يقوم الديوان بتحريك الدعوى العامة ضد الموظف المسؤول أمام الجهة المختصة نظاما بإجراءات التأديب.
وبمقارنة الإجراءات السابقة بالممارسات الدولية في هذا المجال، فعلى سبيل المثال نجد أن مكتب المساءلة الحكومية بالولايات المتحدة وضع معايير وضوابط يجب أن يلتزم بها المراقب أو الباحث أثناء القيام بمهمته فيما يتعلق بعمليات الاحتيال أو الأعمال غير القانونية أو انتهاكات العقود أو سوء الاستعمال، بحيث يتم تصميم خطة وبرنامج يضمن كشف عمليات الفساد تتضمن تقييما لمخاطر الغش والاحتيال، وكيفية إجراءات الاختبارات المطلوبة للحصول على الأدلة والوثائق وتحليل المعلومات بما يتناسب مع المخاطر الموجودة.
كما تتضمن المعايير أيضا متى وكيف تتم مناقشة الجهة الخاضعة للرقابة في حالة وجود قضية فساد، وما هو مطلوب منها وكيف يتم توثيق ذلك، وليس هذا فحسب، بل تراعي ضوابط الأهمية النسبية للقضايا بمعنى هل يتم إبلاغ الجهة أو إحالتها إلى جهة خارجية، كما تأخذ في الاعتبار أن عملية الإبلاغ لا تؤثر على الإجراءات القضائية وتوضيح آلية التنسيق بين الجهات ذات العلاقة.
وليس هذا فحسب، بل هناك إجراءات وضوابط لكيفية التشاور مع السلطات أو مع المستشار القانوني لكيفية نشر هذه القضايا على الرأي العام، كما أن هناك ضوابط عندما لا تتعاون الجهات الخاضعة للرقابة أو تفشل في تلبية المتطلبات القانونية أو لم تقم بإبلاغ الجهات المختصة، أو لم تتخذ الخطوات المطلوبة تجاه قضايا الفساد.. فلماذا لا تستفيد نزاهة وديوان المراقبة من هذه الممارسات وهذه المعايير في مكافحة الفساد، وتضعها ضمن اللوائح الداخلية لتنظيم أعمالهما؟.