تعجبني صلابة المرأة في وطني، وخصوصاً الأم السعودية، التي تكون في معظم الأحيان 'أمية' لا تقرأ ولا تكتب، وتصر بقوة على أن يذهب أبناؤها إلى المدرسة والجامعة، دون أن تعيش يوماً 'حلواً' مع زوجها الذي لم يترك لها ذكرى جميلة في قلبها وروحها الطيبة

لا ينقسم العالم إلى دول غنية ودول فقيرة فقط، ولكني كامرأة أجد أن العالم ينقسم أيضاً إلى امرأة مهشمة وامرأة ضعيفة، امرأة سعودية وامرأة غربية، دائماً كنت أعتقد أن العالم لم يكن في الأصل رجلا وإنما في أساس خلقه كان امرأة، ومن بعدها جاء جنس الرجال إلى العالم. لذا تجدني في جميع أحوالي ممتنة على الدوام للمرأة أكثر من الرجل، أقدّس عطاء المرأة أكثر من الرجل، وولائي الشديد لها، فأنا على سبيل المثال أحب والدي جداً، لكني أجد أن أمي هي الأصل وهي العمود الفقري الذي يستقيم عليه بيتنا، وتبين لي ذلك من خلال التجارب اليومية الملموسة، فالمشاكل حينما تحدث وتنفجر فالشخص الوحيد القادر على حلها وربطها والدتي، لذا فإيماني بكونية المرأة لم يأت بشكل عبثي أو بالمصادفة وإنما جاء نتيجة لتراكمات ومشاهدات عديدة ومتنوعة.
وما دعاني للكتابة عن المرأة ومحاولة إيجاد الفارق بين المرأة السعودية والمرأة الغربية، مشاهدتي قبل يومين لبرنامج جاء على محطة OSAN، حيث كان يتحدث عن التجربة الشخصية للمغنية الشهيرة كاتي بيري، ولأني أجد في قصص النجاح إلهاما كبيرا بالنسبة لي، تابعت سيرة حياة النجمة التي استطاعت أن تصعد بشكل تدريجي من الحضيض حتى وصلت لقمة النجاح. تابعت كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة في حياة النجمة، تعرفت على وجهها الإنساني، وقدرتها الهائلة على الصمود أمام المطبات والمشاكل المادية وافتقارها لمن يؤمن بموهبتها، ويشد من أزرها، كاتي لم تكن الوحيدة من نجوم هوليود التي عانت وسحقت وتراجعت وعادت ونجحت، سيرتها الشخصية والمهنية تتشابه في تفاصيلها الإنسانية وخيوطها مع معظم قصص نجوم الصف الأول. لكن ما أبكاني وألجم فمي، حديثها عن انفصالها عن زوجها البريطاني راسل براند، وكنت حينها أعتقد أنها من طلبت الانفصال، لكن في لقائها التلفزيوني، باحت بكل أسرار قلبها، وقالت وهي تلعق دموعها، وتتذكر اللحظة التي طلب فيها راسل الانفصال عنها حينما تذوقت طعم النجاح، قلت لنفسي إنني لن أتزوج من رجل لا يقدر عملي ونجاحي، إنني أسعى للارتباط برجل يحب نجاحي بل ويفخر به، كنت أتخيل أنني سوف أجد مثل هذا الرجل، ودخلت كاتي في نوبة بكاء طويلة، حينما سألتها المذيعة إذا ما كانت تشتاق لراسل فأجابت نعم، أشتاق لهُ كثيراً.
كاتي بنحيبها وبكائها ذكرتني بالقصص التي كنت أسمعها حينما كنت أتدرب كل صيف في أحد المستشفيات التي تعمل بها ممرضات من جنسيات أوروبية وأميركية، ورغم عمري الصغير إلا أنني كنت مغرمة جداً بالاستماع إلى قصص الممرضات، بل وتستهويني جداً، فكنت أصيخ السمع إلى رطوبة قصصهن العاطفية، والكوارث اللاتي عشنها بعد أن استمتعن بحياة باذخة من السفر والسهر، كما كنت شاهدة على طلاق فيدا ومارلين العاطفي، وطلاق نيكولين ولافانا وكريستين، وذلك بسبب خيانة عابرة لأزواجهن، وكن يعشن في حالة من الشتات بسبب عملهن، ووجود أزواجهن بعيداً عنهن، واكتشافهن الكثير من العثرات والأخطاء، كن ضعيفات بشكل لا يمكن لأحد أن يتوقعه، وكنت أستغرب هذا الضعف الذي وصل بإحداهن إلى الإقدام على الانتحار، وقد بكيت موتها طويلاً، ولازلت حتى الآن أتذكرها.
كنت أقارن بين وجع مارلين وبين جارتنا منيرة بنت حمود التي عاشت تحت ضغوط مدمرة من زوج اعتاد امتهان كرامتها، وكسر رأسها، ويعتبر ما يفعله العم صالح أمر طبيعي ولا يجد في الأمر غضاضة أن يتفل على وجه منيرة أمام أبنائها بسبب تأخر الغداء مثلاً، وأكبرت الخالة منيرة وأغرمت بصبرها وتضحياتها، وابتساماتها التي لا تفارقها وهي تعيد غسيل ملابس أبنائها لأكثر من مرة دون أن تشتكي بخل زوجها، حتى اضطر إخوتها لشراء غسالة أتوماتيك من أجل أصابع منيرة العشرة.
وتذكرت العمة وضحى التي رحلت قبل أعوام بمرض تليف الكبد، لم ترحل العمة هكذا، إنما رحلت وكانت بناتها قد أصبحن يافعات ومدركات لدورهن الحقيقي في المجتمع، وكانت تداري كل ألمها ووجعها النفسي والقهري، وأذكر كيف كنا نضحك على تسمرها أمام شاشة التلفزيون وهي تشيد بوسامة مهند، والآن كلما شاهدت مهند تذكرت رومانسية العمة وضحى التي لم تعرف الحب من زوجها السكير الذي كانت تجده معظم الليالي نائماً عند عتبة باب الصالة الخارجية.
قصص كثيرة تأتي في رأسي، كلما أتذكرها تكبر المرأة السعودية في عيني، رغم جوعها العلمي والثقافي والنفسي وأيضاً العاطفي، تعجبني صلابة المرأة في وطني، وخصوصاً الأم السعودية، التي تكون في معظم الأحيان أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتصر بقوة على أن يذهب أبناؤها إلى المدرسة والجامعة وأن يكملوا دراستهم العليا في الخارج، دون أن تعيش يوماً حلواً مع زوجها الذي لم يترك لها ذكرى جميلة في قلبها وروحها الطيبة.
كنت في كل صباح أذهب إلى العمل الصيفي، وأنظر إلى عيني جيسكا، أتطلع إلى شعرها الأشقر ويديها وهما ترتجفان من فرط الألم، تعمل وهي تفكر بالطريقة التي تتخلص فيها أحياناً من حياتها، أو إيجاد أقرب فرصة للتعرف على رجل آخر، وكنت أستمع إلى جانيت وأربت على قلبها، وهي تقص علي مشاعرها حينما وجدت زوجها برفقة امرأة أخرى في شقتهما، ويعتمر الحزن قلبها وتحاول أن ترسم ابتسامة سريعة على وجهها، وتغير دفة الحديث، كنت أقارن بين ذوات البشرة البيضاء، وبين النساء في وطني، وتسكن روحي منيرة بنت حمود ووضحى بنت مفلح وصالحة بنت عبدالله، اللاتي عرفن الحياة بمعنى آخر، وكافحن لأجل من حبلن بهن. ولم يعرفن كيف كانت تعيش كاتي التي بدأت السماء تمطر لها ذهباً!