الثابت أن هناك قلقا واسعا في صفوف جميع العراقيين، حول مستقبل العراق، سواء أولئك الذين تواطؤوا مع الاحتلال الأمريكي، من أول لحظة، أو أولئك الذين شهروا السلاح دفاعا عن استقلال وعروبة العراق

لحظة الحقيقة، تعبير نستعيره من الرئيس الأمريكي السابق، جورج بوش في المؤتمر الصحفي الذي عقده مع حليفيه، رئيس الوزراء البريطاني، توني بلير ورئيس الحكومة الإسبانية، أزنار في جزر الآزور الإسبانية، والذي أعلن فيه اقتراب لحظة العدوان على العراق، الذي بدأ بعد ذلك المؤتمر ب 4 أيام.
الآن بعد أكثر من سبع سنوات على احتلال عاصمة العباسيين، يحين موعد حقيقة أخرى، كنا نتمنى أن تكون لحظة انبلاج صبح جديد في تاريخ العراق. لكن ذلك ما لا يلوح في الأفق حتى الآن. لقد حل الموعد الرسمي لإنهاء العمليات القتالية الأمريكية في أرض السواد، وأُعلن عن تقليص عدد الجنود الأمريكيين إلى 50 ألف جندي، وسط غموض يكتنف مستقبل العراق، الذي نقله الغزو من دولة عصرية متلاحمة، إلى كانتونات وكتل وطوائف، وإثنيات بارتباطات مشبوهة، مع قوى إقليمية تضمر الشر لما بين النهر شعبا وتاريخا وحضارة.
في حديثنا هذا وأحاديث قادمة سنناقش موضوع الانسحاب الأمريكي من العراق، وتداعياته محليا وعربيا وإقليميا. وكنا قد تناولنا بعضا من ذلك في مناسبات عدة عند مناقشتنا للملف النووي الإيراني. سنكتفي بالإشارة لتلك الأحاديث، حيثما كان ذلك ممكنا، ولن نتعرض للنقاط التي سبقت مناقشتها إلا حيثما اقتضت الضرورة.
الثابت أن هناك قلقا واسعا في صفوف جميع العراقيين، حول مستقبل العراق، سواء أولئك الذين تواطؤوا مع الاحتلال الأمريكي، من أول لحظة، أو أولئك الذين شهروا السلاح دفاعا عن استقلال وعروبة العراق، ولا يستثنى من هؤلاء، المسؤولون في الدولة العراقية، التي أسقط نظامها في 8 أبريل 2003م. والتصريحات في هذا السياق عديدة وكثيرة. وإذا صحّ ما نقلته صحيفة الجارديان البريطانية، عن لقاء أجرته مؤخرا، مع نائب رئيس الوزراء العراقي السابق، السيد طارق عزيز في معتقله، عبر عن خشيته بأن انسحابا أمريكيا سريعا من العراق، سيجعل البلد لقمة سائغة بالنسبة للإيرانيين.
إن الخشية من الانسحاب الأمريكي السريع من العراق، تختلف أسبابها باختلاف الأطراف المعبرة، عن هذه الخشية، فالذين تواطؤوا مع الاحتلال الأمريكي من أول لحظة، هم مجاميع متنافرة، لا يربطها أي رابط سوى معارضة النظام الذي أطاح الاحتلال به، وأيضا استعدادهم للتعامل مع أي جهة تعلن استعدادها للإطاحة بالنظام القائم، بما في ذلك أمريكا وإيران وإسرائيل. لقد استمد هؤلاء حضورهم في العملية السياسية، التي نُفذت في العراق، بتخطيط من برايمرز، ليس فقط من خلال تضامنهم مع مشروع الاحتلال، ولكن أيضا من خلال تحالفاتهم الإقليمية، وتجلّياتها الطائفية.
بعضهم بحكم انتمائه الطائفي، إما أنّه نتاج وصنيعة مشروع الثورة الإسلاميّة في إيران، أو أنّه أقام تحالفاته لاحقا معها، بذات الدوافع الطائفية. البعض الآخر، ليست له علاقة مع إيران، وارتباطاته مقتصرة على تبعيته للمحتل الأمريكي. النمط الأخير، لديه خشية بالغة من الفراغ السياسي والأمني الذي سينتج عن الانسحاب الأمريكي السريع. ولديه شعور بأن إيران لن تدع العراق لأهله، بل إن ساعة الكيد والانتقام من التاريخ، سيحلّ موعدها، وأنّ الهجمة الإيرانية، العاتية، إذا ما قُدر لها النجاح ستقضي على الأخضر واليابس، وستكنس في طريقها، حلفاء أمريكا، لصالح أتباعها في العراق: حزب الدعوة، والمجلس الإسلامي الأعلى والتيار الصدري.
تعطُّل تشكيل الحكومة لما يقرب من ستة أشهر، حتى الآن بعد إجراء الانتخابات النيابية، هو أحد أوجه الصراع المحتدم بين القوى التي ساندت مشروع الاحتلال. وهو صراع لن يحسم بسهولة. فانسحاب القوات الأمريكية، سوف يؤدي إلى استعاره، وسوف تعمل إيران وأتباعها على إقصاء العناصر الأخرى من العملية السياسية، وتسعى للاستئثار بالحكم.
بالنسبة للقوى المناوئة للاحتلال، وتحديدا المقاومة العراقية، تم خلط متعمد بين عملياتها الهادفة لتحرير العراق، وبين عمليات تنظيم القاعدة، التي تخوض حربا عالمية لاستنزاف قدرات الأمريكيين. وتعرضت هذه المقاومة، بخلاف سائر حركات التحرر الوطني العربية التي حظيت بدعم رسمي وشعبي، لحصار عنيف، شارك فيه النظام العربي الرسمي. وسدت أمامها منافذ الدعم والتأييد. وبرغم أنّها تمكنت من إلحاق ضربات ماحقة بقوات الاحتلال الأمريكي. فإنّها الآن تواجه جملة من الصعوبات.
فهي أولا لم تتمكن حتى هذه اللحظة من تحقيق وحدتها، بما يجعلها، بعد خروج الاحتلال، تواجه مهمتين صعبتين في آن واحد: المهمّة الأولى توحيد فصائل المقاومة، وبشكل خاص جبهة الجهاد والتحرير والجيش الإسلامي، وكتائب ثورة العشرين. وهذه القوى مجتمعة تشكل العمود الفقري للمقاومة العراقية. إن تحقيق وحدة هذه الفصائل، يستلزم إعادة تشكيل للقيادات والهياكل، وأيضا، توسيع دائرة عمل هذه الفصائل، بحيث لا يطغى الطابع الطائفي مطلقا على تشكيلاتها. فالمطلوب أن تكون عنوانا لوحدة العراق وعروبته، وتطلعه في الحرية والاستقلال، من حيث الشكل والمضمون، والثانية أن تكون متحسّبة وجاهزة ميدانيا، لمواجهة تدخلات إيران المباشرة وغير المباشرة في الشأن العراقي. لقد تعرضت المقاومة لضربات عنيفة نالت من طاقتها، وأضعفت قدرتها، وبشكل خاص ما نتج عن تشكيل الصحوات. والقول بأن المقاومة العراقية لم تتأثر سلبا نتيجة للدور التخريبي الإيراني، المتسق مع مشروع الاحتلال الأمريكي، يحمل شيئا من المكابرة.
لقد دخل الاحتلال إلى العراق بقواته ومشروعه، الذي اعتبر المحطة الأولى في المشروع الأمريكي للقرن الواحد والعشرين، المعبر عنه بمشروع الشرق الأوسط الجديد. والمقاومة العراقية، تدرك بما لا يدع مجالا للشك، أن خروج القوات الأمريكية من العراق لا يعني نهاية للمشروع... فتفتيت وحدة العراق، وضرب مشروعه الوطني في عناصر تكوينه قد حدثت فعلا، من خلال تدمير دولته ومجتمعه، وطعنه في صميم هويته. سرُّ الارتباك إذن، ليس في أنّ العراقيين، يرون في بقاء الأمريكيين صمّام أمان، لوحدتهم. فهذه الوحدة لم تعد قائمة على الأرض. والأمريكيون هم الذين فرضوا مناطق الحظر الجوي في الشمال والجنوب، التي كانت المقدمة لتقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات: كيان كردي في الشمال، وشيعي في الجنوب، وسني في الوسط والغرب. وهذا المشروع، حتى وإن لم يتم الإفصاح عنه، فإن تطبيقه، منذ تم احتلال بغداد يسير على قدم وساق. وتسهم إيران بدور رئيسي في تحقيق هذا المشروع.
أسئلة ملحّة بقيت مُعلّقة، بحاجة إلى أجوبة حاسمة: هل سيرحل الأمريكيون فعليا ونهائيا عن أرض السواد؟ بما يعني إعلان هزيمة المشروع الأمريكي للقرن الواحد والعشرين. وهل سيبقى النظام العربي الرسمي، متفرجا، أمام تدخلات إيران وسعيها الدؤوب لمحو عروبة العراق؟ وهل ندرك نحن هنا إسقاطات ذلك وتداعياته ومخاطره على الأمن الوطني والإقليمي لدول الخليج العربي؟ وهل علينا أن نظل مكتوفي الأيدي في مواجهة الإعصار؟
أسئلة ستكون محور مناقشتنا في الحديث القادم بإذن الله تعالى.