يتمثل الهم الأكبر في خطورة اتساع الفجوة بين المثقف والثقافة ومقاصدها، وهو ما يترتب عليه اتساع الفجوة بين المثقف والشارع المعني بالتنوير، والحالان كأنما يسخران من المتلقي المنتظر على الطرف الآخر من المسافة بين النقطتين
الثقافة في معنى التداول العربي هي صقل النفس والمنطق والفطانة، وفي قاموس اللغة العربي العربي: تأتي من مصدر ثقف نفسه وثقف، ومنها الحذق والمهارة والإتقان، وثقفه تثقيفا أي سواه، وثقف الرمح، تعني سواه وقومه. ولطالما استعملت الثقافة في عصرنا الحديث هذا للدلالة على الرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات. فالثقافة لا تعد مجموعة من الأفكار فحسب، ولكنها (نظرية في السلوك) مما يساعد على رسم طريق الحياة، وبما يتمثل فيه الطابع العام الذي ينطبع عليه شعب من الشعوب، والوجوه المميزة لمقومات الأمة التي تتميز بها عن غيرها من الجماعات بما تقوم به من العقائد والقيم واللغة والمبادئ، والسلوك والمقدسات والقوانين والتجارب، وإجمالاً فإن الثقافة هي كل مركب يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات. حسب بعض التعريفات الواردة في الويكيبيديا، من جهتي لا أتحفظ على الفهم العربي لمعنى الثقافة، ووصف تعريفها بأنه (صقل النفس....)، ولربما عاد ذلك إلى تماهيه مع ما ورد في الآية القرآنية: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإن كان ذلك قد ورد كمفهوم شامل تماماً للثقافة بكليتها، والحقيقة أنه لا يمكن أن تكون الثقافة بكل مفهومها الواسع بمعزل عن اليوميات التي تشكلها فعلياً ممارسة الأفراد والجماعات، وهي في النهاية واجهة البناء الظاهرية لوجه المجتمع وتوجهاته، الذي تتشكل منه أنساق مختلفة قد تحمل الشكل الثقافي، لكنها لا تحمل ضمنياً قيمته الأخلاقية بتاتاً، وهذه أنساق مخادعة للذات أساساً قبل أن تكون مخادعة للمجتمع الذي تنشأ فيه، والخطورة لا تكمن في استمرارية تشكلها وحسب، بل حتى في قبول البيئة الحاضنة لها على كيفيتها، التي تشكل بالنسبة لها أرضاً خصبة تنتعش وتكبر فيه دون مقاومة، والسؤال الأكبر لماذا وكيف تنشأ هذه الأنساق الثقافية غير السوية أو متصالحة مع المعنى النبيل للثقافة؟
في ظني يتمثل الهم الأكبر في خطورة اتساع الفجوة بين المثقف والثقافة ومقاصدها أولاً، وهو الخطر الذي يترتب عليه في المقابل اتساع الفجوة بين المثقف والشارع المعني بالتنوير الثقافي، وكلا الحالين كأنما يسخران من المتلقي المنتظر في الغالب على الطرف الآخر من المسافة بين النقطتين! وهو سلوك متعال لا يعبر عن أبعاد فكرية ثقافية واعية، هنا لا بديل لنا في الواقع عن مجابهة هذه الأنساق من البناء المسمى عرضاً ثقافة، ومحاربته بالوسائل التي تكفل عدم تمدده عمودياً وأفقياً، لأنه من الأفضل لنا أن يتوالى هدم الأنساق غير المرغوب فيها أولاً بأول، وبناء أخرى قادرة على التعبير إيجابياً بشكل أكثر فائدة، على القبول بها تحت مبررات مصطلح الثقافة الفضفاض، فبقاء فكر ثقافي متعال يعني انهيار أخلاقيات المبدأ الثقافي برمته، وبالتالي لا نعود أمام مشهد يحترم الشريحة المعنية بالتنوير، وإنما تداعيات لمشهد موهوم بالفكرة الثقافية ومنجزها لا أكثر.
ومرتكزات الوعي الثقافي الرئيسية عندي لا تخرج عن أربعة عناصر، وهي ما يمثلها الفهم والإدراك والأخلاقيات والتطبيق، فكل منها له منطلقاته المنطقية المبررة لحتمية وجوده ضمن التكوين الثقافي الإيجابي، لتكون الثقافة بالفعل تنويراً يتزعم الشوارع الإنسانية بلا حدود، وتترجمها لاحقاً كممارسات تطبيقية، تعطي الانطباع الأمثل لمنجز الوعي بالمصطلح والمفهوم الثقافي، وسأحاول لاحقاً قدر المستطاع تسليط الضوء على التنوع الكبير للمفهوم الثقافي ومصطلح الثقافة، في محاولة لبناء صيغة ومقاربات تساعد على ردم الفجوة بين المثقف والثقافة والمتلقي.