تجربة الابتعاث كفيلة بخلق إمكانات حقيقية لتشكيل تصورات جديدة عن الأسرة. الابتعاث يوفر غطاء قانونيا يعترف بأهلية الجميع وشراكتهم كما يوفّر فضاء أكثر حرّية يؤسس لعلاقة ثقة متبادلة

يسعى هذا المقال لفهم تأثير تجربة الابتعاث على مفهوم الرجولة عند المبتعثين السعوديين. سيكون المقال محدودا داخل تجربة المبتعثين الأزواج داخل إطار العلاقة الزوجية. بمعنى فهم سلوك الرجل السعودي في أسرته والتغيير الذي تسبب فيه الابتعاث على هذا السلوك.
هذا المقال لا يعتمد على دراسة إحصائية تشمل عينة واسعة من المبتعثين ولكنه يعتمد على تجربة شخصية، تجربتي الشخصية، وملاحظاتي على الأصدقاء والمعارف الذين التقيت بهم في الولايات المتحدة الأميركية على مدار خمس السنوات الماضية.
أول تغيير حدث لي مع قدومي لأميركا هو تصميم المنزل، في أميركا غالب تصميمات الشقق والمنازل تعتمد على دمج الصالة بالمطبخ؛ أي ما يعرف بالمطبخ الأميركي المفتوح على صالة الجلوس والتي هي غالبا الغرفة التي فيها التلفزيون وتفتح على البالكونة، هذا التصميم يجعل من أعمال المطبخ جزءا قريبا ومفتوحا على أعمال الترفيه في الصالة، العمل في المطبخ لا يعني هنا الانتقال لجزء منفصل في البيت وبالتالي الانقطاع عن أجواء الاجتماع والتواصل ومشاهدة التلفاز في الصالة، في المقابل المطبخ في غالب البيوت السعودية غرفة معزولة لوحدها والتواجد فيها يعني الانعزال عن باقي البيت بشكل أو بآخر، بالنسبة لي هذا التصميم في السكن الأميركي جعل من عملية الطبخ عملا ممتعا.
باختصار يمكن أن تتابع فلمك المفضّل أو مباراتك الحماسية وتقوم بأعمال المطبخ في ذات الوقت، بالإمكان أيضا أن تقوم بأعمال المطبخ وفي ذات الوقت تتحدث مع من في الصالة سواء من أفراد العائلة أو الضيوف، هذا التصميم المختلف يجعل من أفكار الشراكة الزوجية والتعاون بين أفراد الأسرة عملا ممتعا وقابلا للتطبيق. بالتدريج أصبحت أعمال المطبخ جزءا طبيعيا من الجدول اليومي والحياة الطبيعية، وبالتدريج تصبح أعمال المطبخ من تنظيف وطبخ ونفخ جزءا لا يقدح في رجولة الرجل.
عامل تغيير جوهري إضافي في تجربة المبتعثين هو أن الأسرة تقوم بأعمالها دون مساعدة من عاملة منزلية ثابتة في المنزل. بمعنى أن الأسرة تعتمد على نفسها في القيام بأعمالها المنزلية، بعض الأسر المبتعثة تواصل مشوار سي السيد، بحيث تقوم المرأة بكل الأعمال ويواصل الرجل استمتاعه بالسلبية. أسر أخرى تقوم بتخفيض مستوى الأعمال المنزلية بالاعتماد على الأكل الجاهز والتهاون لدرجة كبيرة في مستوى النظافة والترتيب. النوع الثالث يجري تعديلات في الأدوار لتبدأ شراكة حقيقية تنخفض فيها العلاقة بين الجنس ونوع العمل، بمعنى أن الأعمال المنزلية يقوم بها الزوج والزوجة والأعمال خارج المنزل يقوم بها الزوج والزوجة أيضا.
من أهم المشاهد المبكرة الملفتة للانتباه في أميركا أن توقيع عقد السكن يتم بين المالك من جهة والزوج والزوجة من جهة أخرى، بالنسبة لكثير من السيدات السعوديات يعتبر هذا الإجراء علامة على تحوّل في دورها في الأسرة. الآن لم تعد مجرد تابع لولي يقرر كل شيء بقدر ما هي شريك حقيقي له قيمة تخوله إجراء العقد والمشاركة في المسؤولية. هذا الاعتراف القانوني يعني للرجل الشيء الكثير أيضا فهو علامة مبكرة على الدخول في أجواء قانونية مختلفة تحمي حقوقا أساسية للمرأة لا يمكن التعدي عليها تحت شعار الأعراف والتقاليد أو المعتقدات الدينية. البيت الآن هو بيت الزوجة والزوج، وهذا أساس يمكن أن تبنى عليه علاقة تعكس معناه وقيمه.
لا بد من الإشارة هنا إلى أن كثيرا من المبتعثين خصوصا القادمين لدرجة الماجستير وبسبب ضيق وقت البعثة يعيشون تجربة الابتعاث على أنها تجربة قصيرة وسريعة وموقتة مما يحدّ من تأثيرها على الأقل في التجربة الواعية. في المقابل طلاب البكالريوس والدكتوراه بسبب طول البعثة فهم أكثر احتمالا لتحول تجربة الابتعاث لتجربة عمر عميقة ومؤثرة. عميقة لدرجة أنها تشكّل نمطَ علاقة أسرية، وتصوّرا لدور المرأة والرجل كفيلا بأن يكون مناسبا لباقي العمر وليس فقط لتجربة خاطفة كما لو كانت تجربة سفر أو سياحة.
أيضا من التجارب المؤثرة بعمق في تجربة المبتعث السعودي خصوصا القادمين من بيئات محافظة اختلاط زوجته على الأقل دراسيا بالرجال خصوصا السعوديين. هذه الخطوة جوهرية للكثير ممن لم يتصوّر في يوم من الأيام أن زوجته أو أخته ستكون في صف دراسي مختلط مع شباب سعوديين. هذه التجربة حين تقدم عليها الأسرة تحدث تأثيرات عميقة في العلاقات الأسرية. باختصار هذه التجربة تدخل علاقة ثقة هائلة في التجربة الأسرية أو الزوجية. العلاقة الآن لم تعد قائمة على الستر والإخفاء والحجب والمنع وقطع التواصل بل هي قائمة على الثقة المتبادلة. هذه الثقة تعيد الفضل لأهله. بمعنى أن وفاء الزوج والزوجة لم يعد راجعا لإخضاع كل منهما لشروط إجبارية بقدر ما هو خيار شخصي وعن قناعة وإيمان. هذا التطوّر يجعل الأسرة في مزاج أكثر صراحة كما يجعلها أيضا أمام فرصة لإعادة ترتيب أوراق العلاقة والأدوار التي يقوم بها كل فرد داخل الأسرة.
كل التغييرات السابقة، وغيرها كثير، تجعل من تجربة الابتعاث كفيلة بخلق إمكانات حقيقية لتشكيل تصورات جديدة عن الأسرة والعلاقة الزوجية. مفهوم الرجولة الذي تأسس في سياقات ثقافية محليّة على تمييز أدوار الرجل عن أدوار المرأة وعلى وضع علاقة تراتبية تكفل للرجل دور السيطرة والتحكّم، هذا المفهوم يتعرّض لاختبار حاد، اختبار يدفع بالفرد للتساؤل عن معنى وقيمة القيم التي تضعف من علاقته بأحب الناس من حوله. القيم التي تؤسس لعلاقة غير عادلة وغير منصفة بين أفراد الأسرة. الابتعاث هنا فرصة للتساؤل حول هذه القيم. الابتعاث يوفّر أجواء محفزة. يوفر تصميما للبيوت، يجعل المشاركة أيسر وأمتع. يوفر غطاء قانونيا يعترف بأهلية الجميع وشراكتهم كما يوفّر فضاء أكثر حرّية يؤسس لعلاقة ثقة متبادلة.
في الأخير، كل هذه عوامل مؤثرة والقرار في الأخير للأفراد أنفسهم.