انتقادات مجلس الشورى لخطة التنمية، تجعلنا نتساءل عن كيفية إعداد خطط التنمية؟ وعن كيفية تنفيذها؟ وعن كيفية قياس نتائجها ومدى تحقيقها للأهداف الموضوعة؟ وهل التخطيط في الجهات الحكومية مجرد عملية شكلية؟

انتقد أعضاء مجلس الشورى تقرير لجنة الشؤون الاقتصادية والطاقة بشأن موضوع الأهداف العامة لخطة التنمية العاشرة، حيث لا توجد آليات ومعايير واضحة لقياس خطط التنمية، وبالتالي لا أحد يستطيع التفريق بينها وبين الخطط السابقة، بالإضافة إلى أن الخطة لم تأخذ في الاعتبار قضايا تنموية مهمة مثل التنمية المتوازنة في المناطق، وقضايا المرور والمياه والتنوع الاقتصادي، وبعض المواضيع المتعلقة بالصحة والتعليم.
انتقادات مجلس الشورى لخطة التنمية، تجعلنا نتساءل عن كيفية إعداد خطط التنمية؟ وعن كيفية تنفيذها؟ وعن كيفية قياس نتائجها ومدى تحقيقها للأهداف الموضوعة؟ وهل التخطيط في الجهات الحكومية هو عملية شكلية أو صورية؟.
لا شك بأن التخطيط يعد من أهم وظائف الجهات الحكومية، بل من أهم وظائف الإدارة بشكل عام، حيث إنه يمثل الآلية التي يمكن من خلالها تحديد أهداف المجتمع، بالإضافة إلى تحديد الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق هذه الأهداف، ولكن لو سألنا مديري ورؤساء الموظفين في الجهات الحكومية، ما هي الأهداف التي تسعون إلى تحقيقها في جهاتكم؟
قد يجيب البعض بإجابات مختلفة، ويسرد ما حفظه من كلام إنشائي حول أنشطة وأعمال الجهة التي يعمل بها، وقد يتفاجأ البعض الآخر بالسؤال لعدم معرفته بالإجابة! فالسائد في بعض الجهات الحكومية هو عدم وضوح الأهداف والرؤية الاستراتيجية لدى مديري الإدارات والقائمين عليها، وبالتالي العجز في إقحام أهداف خطط التنمية وسياساتها في أعمالهم الإدارية وشرحها للموظفين، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، هناك من يرى من الباحثين أن متخذي القرار في بعض الجهات الحكومية خاصةً من ذوي النفوذ يقاومون الخطط أشد المقاومة، وذلك بما يجعلهم في منأى عن المسؤوليات والمحاسبات، كما يسهل لهم في الوقت نفسه فرص طرح خططهم وأولوياتهم التي قد تخدم مصالح الأجهزة التي يعملون بها فقط، أو مصالح أشخاص محددين أو ربما مصالحهم الشخصية!.
وعلى هذا الأساس، لا نتعجب عندما نرى أن خطط التنمية مجرّد كتب محفوظة في دواليب الإدارات الحكومية، ولا نتعجب أيضاً عندما نجد أن الخطط والسياسات تتغير بتغير المسؤولين، كما أن هذا هو السر في تكرار الخطط من سنة إلى أخرى وعدم وجود أسس معيارية لها في بعض الجهات الحكومية.
أما فيما يتعلق بكيفية إعداد الخطط، فتقوم وزارة الاقتصاد والتخطيط في فترة زمنية محددة من العام، بإرسال نماذج مخصصة للتخطيط إلى الجهات الحكومية لتعبئتها ومن ثم إعادتها إليها لإعداد خطة التنمية الشاملة، وفي بعض الجهات يتم تكليف موظف لتعبئة هذه النماذج والتنسيق مع الإدارات المختلفة في الجهة، ويتم إعداد الخطة بناء على خطط السنوات السابقة وليس على أساس المستجدات والتحديات التي تواجه الجهة، ويتم إدخال تعديلات بسيطة عليها.
وبالطبع فإنه ليست هناك أسس علمية يتم اتباعها عند إعداد الخطة، وإنما مجرّد روتين سنوي لعملية التخطيط، هدفها تحقيق متطلبات وزارة الاقتصاد والتخطيط فقط، لذا يلاحظ على الأهداف الموضوعة الرئيسية والفرعية، وكذلك السياسات في الخطة بأنها غير واضحة ولا تتضمن مؤشرات كمية، وإن تضمنتها فإنها لا تأخذ في الاعتبار الظروف المحيطة والعوامل الأخرى، ومن الناحية المالية فربما كانت تقديرات التكاليف لتنفيذ الخطة تعتمد على الميزانيات السابقة للجهة أو ربما كانت جزافية، وبالتالي فإن الخطط لا ترتبط بالأمور المالية.
وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن التخطيط في بعض الجهات الحكومية هو عملية شكلية وبالتالي أضعفت دور هذه الجهات في تحقيق أهداف التنمية الشاملة، وتكون النتيجة الحتمية عدم فاعلية تحقيق الأهداف المرسومة والتي قد تصل نسبة تحقيقها إلى صفر %.
وفي نهاية كل سنة ترفع الجهات الحكومية تقارير عن أدائها؛ وذلك بناء على متطلبات المادة رقم 29 من نظام مجلس الوزراء، والتي تلزم جميع الهيئات والجهات الحكومية بأن ترفع تقريرا عما حققته من إنجازات، وما واجهته من صعوبات ومقترحات لكيفية علاجها، وتتضمن هذه التقارير إنجازات الجهة فيما يتعلق بالخطط التشغيلية السنوية.
وفي بعض الجهات الحكومية، تكون هذه التقارير عبارة عن تضخيم لمنجزات الجهة من خلال تحقيقها للأهداف المرسومة في خطة التنمية، وبالتالي فإنها لا تعكس الواقع الحقيقي، ويمكن القول بأن هذه التقارير مضللة وليست لها مصداقية حتى يمكن الوثوق بها أو الاعتماد عليها.
فعلى سبيل المثال، قد يكون موضوع التدريب أحد الأهداف الموضوعة في الخطة، وقد يكون بالصياغة التالية تطوير قدرات ومهارات موظفي الجهة لمواكبة ما يستجد في مجال العمل، ويدخل هذا الهدف ضمن تنمية الموارد البشرية في خطة التنمية الشاملة، وفي تقرير الإنجاز تكون الصياغة كانت الخطة تستهدف تدريب (1000) موظف خلال السنة المالية في المجالات ذات الصلة بأعمال الجهة، وقد تحقق المستهدف بالكامل وبنسبة 100%، وفي واقع الأمر ليست هناك خطة لتقدير الاحتياجات التدريبية، وليس هناك تقويم للأثر التدريبي.
أما بخصوص الرقابة على التقارير السنوية، ففي الغالب ترسل إلى مجلس الشورى وفقاً للمادة 59 من نظام المجلس، لتتم مناقشتها وإبداء الملاحظات عليها، ويمكن القول إن أعضاء المجلس لا يستطيعون قياس أداء الجهات الحكومية ويظلون عاجزين عن ذلك في ظل غياب الشفافية والمساءلة، وهناك حاجة إلى وجود جهة رقابية مستقلة تساعد المجلس في الحكم على مصداقية هذه التقارير لكل جهة حكومية والإفصاح عن هذا الحكم للرأي العام، وبالتالي يمكن معرفة مدى تحقيق أهداف خطة التنمية الشاملة، وقد ينعكس ذلك على عملية التخطيط لتكون بجدية أكثر وعلى معايير وأسس علمية، لأنه سوف يكون هناك من يتابع ويسأل عن تحقيق الأهداف، ويحاسب عند الإخفاق، ولكن من يراقب المراقبة؟ ومن يحرس الحراس؟ كما يقول روزنبلوم.