اتصل بي الشاب توفيق يخبرني عن وفاة والده لطفي، صديقي القديم منذ أربعين عاما، ذلك الرجل الإنسان، المملوء بالعافية والوجدان، والابتسامة العذبة لكل الخلان، وخدمة الناس وروعة العقل وصفاء الإيمان، وعظم التقوى يذكرك ما نسيت ويعلمك ماجهلت ويحل معضلات الرياضيات مثل شرب الشاي وقرص الحلوى؛ فقد كان أستاذ رياضي

اتصل بي الشاب توفيق يخبرني عن وفاة والده لطفي، صديقي القديم منذ أربعين عاما، ذلك الرجل الإنسان، المملوء بالعافية والوجدان، والابتسامة العذبة لكل الخلان، وخدمة الناس وروعة العقل وصفاء الإيمان، وعظم التقوى يذكرك ما نسيت ويعلمك ماجهلت ويحل معضلات الرياضيات مثل شرب الشاي وقرص الحلوى؛ فقد كان أستاذ رياضيات رائعا.
حين سمعت وفاته بعد أن لحق بصاحبه عابد الجابري المغربي بيوم متأخرا إلى الأبدية، قلت لنفسي ثلاثا؛ الجابري تعب فترك تراثا للأجيال، والعلوان الحمصي ترك أصدقاء يبكونه، وخلانا يذكرونه، وعائلة مثالية، ومضى مثل أي جندي مجهول إلى الأبدية، بدون عودة منها إلى يوم الزحام ... يوم التغابن.
وقلت ثالثا مات كلا الرجلين بعمر 75 عاما، وأنت في عمر 65 حولا، ولا تعرف البريد المضمون، الذي ينعى خبرك، وينشر خبر درسك، هل هو ساعة أم يوم أم سنة أم ربع قرن؟
وإذا امتدت بي السنون وأنا قوي كما حصل مع والدي؛ فعمر نشيطا حاضر الذاكرة أكثر من تسعين، فهو أيضا زمن مقدر وعمر قصير في الزمن اللانهائي الممتد؟
فهل أمضي على مذهب الخيام في الشعر والمتعة؟ أم الغزالي في الخلوة والنزهة، فأخرج بقصيدة؟ أم المنقذ من الضلال؟ أم على مذهب فتجنشتاين وابن بطوطة؛ فأدور العالم وأتعرف على زواياه؛ فهناك أكثر من مئة موضع جميل للتعرف والزيارة، فلم أشاهد بعد تاج محل ولا سور الصين وبرج بيزا ولا هرم يوكوتان، ولا ضريح لينين أو تمثال بوذا وحدائق سيلان، ولا شواطيء هونولولو وسخالين وورزازات وتاردونت، وبيتاغونيا وسان فرانسيسكو والبحر الأسود وسامسون، من حيث جاءت والدتي وأجدادي من بني عثمان. 
جرت عادة الأطباء بعد موت من مات في المشافي والبرادات، أن تجتمع لجنة اسمها لجنة الوفيات و(العلعلات) (Morbidity&Mortality Committee) أي مناقشة لماذا مات من مات؟ ولماذا قطعت يد وذراع؟ وحلت نكبة ووقعت مصيبة وتدمر النخاع؟
وأنا أسمي مثل هذه اللجان لجان النقد الذاتي، وهو خير مافعله الطب، بأن يفهم لماذا مات من مات؟ ليس لأنه سيعيده إلى الحياة، فالأموات لايشعرون أيان يبعثون، ولكن أخذا للدرس، وموعظة للغافل، وتعليما للجاهل، وفهما لسنن الله في خلقه في الموت والحياة، وتبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم؟
كل ذلك درس عميق لاستيعاب هل كان بالإمكان تفادي ماحصل؟ فيتم تطبيقه للمريض القادم؟ فالمشفى والمستوصف أشبه بمحطة القطارات والمتروهات، فوج مقتحم لجة الموت، وفوج قادم بكل زخم للحياة، أرحام تدفع، وقبور تبلع، ودروة جبارة للموت والحياة تعمل، فمع شروق شمس كل يوم يأتي إلى الحياة 270 ألفا من البشر، ومع غروب كل شمس  يودع الحياة 140 ألفا من الأنام، فبأي آلاء ربكما تكذبان؟
وبذلك يزداد الجنس البشري مع كل ثانيتين ثلاثة نفوس من بني آدم، بمعدل 130  ألفا كل 24  ساعة. ومليار واحد كل عشر سنوات؟
وحين يتم استعراض من مات أجدني أتعجب وأتأثر، بين مريض نزف حتى فارق الحياة على الرغم من فزعة الأطباء، وآخر صدم بصدره الجدار فانثقبت الرئة فمات اختناقا من الداخل وليس من الخارج، وكان مسكينا بعائلة كبيرة، مات وهو يكافح لرزق عياله، فتأملت الموت والحياة ثم كتبت سطورا حزينة مع جنح الليل الأخير.
ومن دخل عملية لزرع شريان في بطنه إنقاذا لساقيه من البتر فلم تنقذ ساقاه ولم يمش إلى الحياة قط!
وثالثة تمزق رحمها مع الولادة؛ فلم تشعر إلا وهي في ردهة الإسعاف، وزوجها يبكي، رأيتها تنقل من نفس مدخل الإسعاف جثة بخرقة فتدمع عيناي مع دمعة الزوج المصاب.  وعدد الموتى الذين أذكرهم أكثر من مجلد وكتاب.  بين مريض التهمه الإنتان والقيح، فلم ينفع فيه دواء.
وبين شيخ وعجوز افترسهما الموت عجزا وتعبا من الحياة؛ فلم ينفع فيهما ترياق، وليس من راق.
وثلاثة محروقين وصلوا دفعة واحدة، لم يبق مكان في الجسم إلا وقد التهمته نار البنزين من سيارة نكبت، والأطباء حائرون في العثور على مكان لضخ السوائل والبلاسما، ليموت الثلاثة في ثلاثة أيام لعظم الحريق وشدة النار.
وشابة جاءت لتسعد بوليدها؛ فلم يخرج الوليد، ولم تخرج من المشفى إلا جثة ملفوفة في كفن.
وأخرى دخلت المشفى لارتفاع السكر؛ فلم يتصلح السكر، ولم ترجع لزوجها الملهوف إلا وقد فارقت الحياة باتجاه واحد إلى المقبرة؟ ويزروها زوجها كل يوم في القبر يريد اللحاق بها..
إنها مآس يومية لايشعر بها إلا من احترق بلظاها.
وشابة أخرى جاءت لعملية مرارة؛ فلم يدرك الجراح أنه والمريضة على موعد مع الموت، في قدر عجيب، وهو الجراح الذي يثقب البطن كل يوم ثقبا بالمنظار، هذه المرة أخطأت يده القصد، ودفعها ملك الموت إلى شريان الوتين فنزفت فماتت.
وطفل اختنق فأحضر جثة، فلم يرجع للحياة ولم تفرح به أمه قط، وعلى القبر كتب طفلنا الحبيب؟
وآخر ذهب يستحم نشاطا ونظافة؛ فلم يدرك عمق النبع وغدر المياه فينزلق ويتزحلق وهو يجهل السباحة، وخلال دقائق كان الموت رفيقه إلى الأبدية.
ورجل تمدد في البرية، يتمتع بالطبيعة يتأمل السيارات بجنب طريق سريع، فتحدث المفاجأة فتطير سيارة طائشة في حادث مريع؛ فتترك كل الفلا إلا مكانه؛ فتنزل فوق رأسه في قدر مغيب فيعانق الموت ولا يرجع إلى أهله بوصية.
واثنان تهاوشا فلم يجدا طريقة إلى حل المشاكل إلا في الساطور والطبنجة قطعا لليد والذراع؛ فاقترب من الموت فتدلى.
ومريض نقل بعد حادث سيارة بأحد عشر كسرا وتمزق كبد وطحال وقطع يد وذراع فلم ينفعه إسعاف ونقل دم.
ورجل تسمم ولم يشعر؛ فنقل جثة، وسارع الأطباء في حقن مضاد السم من الاتروبين، وآخر لدغه ثعبان بفحيح فانتفخ الساق وبدأ انحلال الدم، وحار الأطباء في نقل مضاد السم (أنتي فينوم Antivenom) ونوعه. ومريض ينتفض من الصرع، فنقل وهو يسبح بين الموت والحياة في سكرات الموت، والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم.
ومريضة ركبها الربو فهي تحشرج وتختنق ويركض الأطباء بقناع الإكسجين وحقنة الأمينوفيلين ورذاذ البوتالين.
وأخرى ارتخى عندها القلب فتدلى؛ فانتفخت الأقدام، وعلا الفم الزبد والرئتين اختنقتا بالماء، فيركض المسعف بالديجتال وصورة الصدر والمدرات، والمريضة تدور عيناها كالذي يغشى عليه من الموت.
ومهندس ودود جاء لفك الاشتباك حول خلاف في البناء والأتعاب، ليكتشف حشفا وسوء كيلة، فينفعل، فيقع إلى الأرض فلا يقوم إلا جثة منقولا في عربة الموت لأهله مع ساعات السحر؟
أو مريض مصاب بالفشل الكلوي قد تقرحت شفتاه، وجف جلده، واصفر مظهره فقرا للدم؛ فيبدأ الأطباء في فحص الكرياتينين والبولينا، ليروا أرقاما يمكن تسجيلها في قائمة جينيس للأرقام القياسية، ويهرع دكتور الكلى للبدء في الغسيل، وشفط سوائل البدن، وتنقية الدم من الشوائب وما حوى.
وقديما ذهب المثل في القول، فالج لاتعالج، وثلاثا لاعلاج لهن مرض يرافقه هرم، وعداوة يخامرها حسد، وفقر ممتزج بالكسل فلا تعالج.
وحين سمعت عن موت الجابري المغربي، وصديقي القديم من أيام الجامعة لطفي علوان في جدة، قلت في نفسي إنه جيلنا بدأ بالتساقط مثل خريف ضرب بأجنحته الباردة هذا الرعيل.
ذهب محمد عوض الخطيب المصقع، وشوكت الجبالي المتحدث اللبق، وفتحي يكن المنظم الورع، والهويدي المصلي الخشع، والعلوان ابتسامة الرضا القنع.
فسبحان الباقي واللقاء يوم الدين مثل استقبال المطارات للقادمين من الأفق البعيد..