حتى اللحظة، تنتاب أصابعي رعشة هائلة من الخوف النفسي الجارف، كلما حاولت أن أستجمع شجاعتي للاتصال بالصديق الغالي، معالي الدكتور إسماعيل بن محمد البشري مواسياً أو معزياً وهو يفقد أطفاله الخمسة في لحظة واحدة. سأكون واضحاً إن قلت للشقيق العزيز، إن حضورنا إليه في هذا الظرف لن يزيده سوى الأحزان، وحين أكتب إليه هذا البوح بكل العواطف والدموع فسأعترف إليه بكل شجاعة بأننا أقل بكثير من الشعور الحقيقي بمأساته ومصيبته. عرفت معاليه ابن أسرة أصيلة كريمة وضعت بصمتها المشرفة على نسيج أهلها ومدينتها بكل الإيمان والوطنية والنقاء والشرف. كان أبو محمد طالباً جامعياً متفوقاً في ريعان الجمال والألق والشباب قبل أن يكون الرئيس المؤسس لأول ناد طلابي سعودي في المملكة المتحدة، كان معاليه علامة بارزة رئيسة في عماد التعليم الجامعي في عسير وهو فضل ستدين به أجيال لفرد من أبناء هذه المدينة. كان إسماعيل البشري أول سعودي على الإطلاق تختاره حكومة ودولة أخرى ليرأس جامعة جوهرية أجنبية حقيقية، وقد مثل بلده بامتياز لهذا الشرف. كان معاليه رجل دولة وطني من الطراز الرفيع، عضواً لمجلس الشورى أو مؤتمناً على إدارة جامعة كما هو اليوم.
أخي إسماعيل، مجرداً من ألقابك التي استحقتك: واسمح لي فلن تضيف كلماتي شيئاً إلى رصيد الحزن، كيف ستعود إلى الغرف الخمس الخاوية في منزل كان يعج بالصخب والحياة؟ كيف ستفتح أبواب الغرف على أسماء وأفنان ومن ثم على محمد وأحمد وسلطان الصغير ثم لن تجد نداء ولا إجابة للصوت؟ كيف ستتحمل آلاف الذكريات وآلاف الصور المختزنة في خيالك الأبوي الذي أعرفه عنك وعن أسرتك الأصيلة الكريمة؟ واسمح لي أبا محمد على هذا الإيغال الموحش في الحزن لأن الله يشهد أنني أكتب إليك من نوبة حزن ومن عيون لا تشاهد الورق من هول الماء. أنت من علمني الهدوء والحكمة وأنت من عرفت فيه التقي النقي المؤمن. كلنا معك وإليك لأن المصيبة تجاوزت حدود الفرد والأسرة إلى مأساة مدينة وقبيلة ثم إلى وطن مكتمل.. وكلهم يشعرون أنهم إليك ومعك.