من منا ليس لديه كلمات تتخلل حديثه، يستخدمها دون شعور لأنه تعود عليها، ولكن هل فكرنا يوما بما قد تعنيه للمتلقي، من يستمع لنا... مثلا كانت إحداهن تستخدم معي كلمة عيني ولكنها لم تكن تعني الحميمة، لأنه حسب مفردات منطقتهم تعني ركزي معي، أما أنا فكان استخدامي لها مختلفا، ففي مرحلة المراهقة تعودت على استخدام كلمة عيني دون التفرقة بين القريب أو الغريب، لم أكن أطلب تركيزا أو حتى حميمية، حتى نبهتني أختي يوما قائلة: هل كل الناس عيونك؟! سؤال بسيط لكنه جعلني أفكر بأنني قد أفهم خطأ وتُحمل مفردتي أكثر مما تعني، ودربت نفسي على أن أتخلص منها.. على الأقل مع الغرباء، المراد هنا أننا نتعامل مع أنواع مختلفة من النفسيات والبشر وليس كل من نقابله على استعداد أن يفهمنا، أو يعذر على الأقل أن بعض الكلمات قد تصدر منا كعادة وليس عن إرادة.
قرأت مؤخرا مقالة عن تأثير الكلمات في حديثنا، وكيف أنه يجب أن نتأنى قبل أن نتفوه بالكلمات، كأن نفكر أولاً بتأثيرها على المتلقي، أو بالتأثير الذي نريده نحن مما يخرج منا من تعابير، وكيف أن لغة الجسد ليست بمقياس على الفهم الكامل للحديث، كما كان معتقدا منذ خروج دراسة البروفسور مهرابيان عام 1967، التي فُسرت فيما بعد خطأ، لقد كان المراد تبيان طريقة فهم العقل للكلمات وليس الحديث بمعنى جمل، حيث قام فريق الدراسة بإجراء تجارب على العينة للتعرف على مدى الفهم للكلمة في غياب نبرة الصوت، أو لغة الجسد، أو خلال وجود هذه المتغيرات مجتمعة.. بمعنى أن ما كان متداولا من قاعدة على أن ما يفهم من الحديث يعتمد على 55% لغة جسد، 38% نبرة الصوت، و 7% على ما يقال، ليست صحيحة تماما، لأن الكلمات ـ كما أثبتت فيما بعد التجارب التي أجريت للتعرف على كيفية تلقي الدماغ للمعلومات ـ تذهب إلى مكان خاص في الدماغ لتفسر بناء على ما يختزنه من معلومات ومفاهيم ومفردات، أما المشاعر تذهب إلى مكان آخر من الدماغ لتفسيرها، ولغة الجسد كما نعرف، تحرك مشاعر تفسر على أنها رسائل.. هنا يجب أن ندرك أن ليس كل ما يصدر من لغة الجسد مقصودا، قد يكون المرسل أو المتحدث لا يرغب لها أن تظهر، وأن هذا الظهور ليس له علاقة بما يقوله، هناك حركات لا إرادية، كالوجوه المبتسمة أو ما نسميها السمحة، فهل في حالة الجد نتهم الفرد بأنه يقول ما لا يعنيه، ويأخذنا تفكيرنا إلى أحكام تظلم المتحدث؟! وهنالك وجوه تبدو لنا متجهمة وحين تخرج من أصحابها كلمات رقيقة في المواساة أو التعاطف، نتوقف ونشك بصدق مشاعرهم! المهم أن ندرك أن المظهر الخارجي أو لغة الجسد ليست مقياسا دائما، ولا نستطيع أن نفرق أو نفسر ونصل إلى حكم موضوعي دون معرفة مسبقة بسمات هذه الشخصية أو تلك.
ومثال آخر يظهر لنا من خلال المحادثات على شبكات التواصل الاجتماعي؛ نجد أن الإناث عادة يخاطبن غيرهن من الإناث بـيا قلبي، عزيزتي، ويا عيني، إلخ.. فهل هذا يخول شخص غريب أن يوجه حديثه لأنثى غريبة بنفس الكلمات لأنه وجد أنها تستخدمها؟ لنفترض أنه لم يعني شيئا خلف ذلك، ولكن ماذا عن البقية ممن يتابع؟ هل جميعهم سيأخذون الأمر على أنه بحسن نية؟ ما أعنيه هنا أنه يوجد بروتكولات للحديث مع الغرباء، نتجاهلها أو لا نعيرها الاهتمام الكافي مما قد تحدثه من تأثير إيجابي أو سلبي، قد يقول البعض ليفهم الغير ما يريدون طالما أن النيات حسنة.. نعم في حالة أنك تقدم رأيا أو معلومة ولكن ليس في حالة تواصل، هنا وجب التفكير في تأثير الكلمات على المتلقي وما قد يتسبب له أو لها من تبعات، أليس واردا أن يتشجع ضعاف النفوس، وهم كثر، بأن يستخدموا نوعية نفسها التواصل ضاربين عرض الحائط حق الإنسان التمسك بالرسميات مع الغرباء، وبذلك يتسببون بالمتاعب أو الإزعاج للغير؟! هنا المفروض على كل فرد منا أن يراجع لغته، طرق استخدامنا للكلمات.. ومع من نستخدمها، قبل أن نحكم ونتصرف بطرق خارجة عن إطار الذوق واللباقة مع الغير، هنالك حدود لكل شخص يجب أن نحترمها لكي يتم التواصل برقي وشفافية، دون غرس معاني وفرضيات نسارع إلى تجربتها لكي نتأكد من أحكام أصدرناها بناءً على تفسيرات خاطئة، نظلم الآخر ونظلم أنفسنا.
نريد التواصل، نريد أن يفهم بعضنا البعض، نريد أن نتعلم وأن نتعاون ونرتقي.. نعم، وعليه فإن الحرص على انتقاء كلماتنا سيعكس حرصنا على هذه العلاقات لتنمو في بيئة صحية بعيدة عن التوتر والتشويش.. وبعيدة عن التفسيرات العشوائية، لنحرص على بناء بيئة حوار صحية نقية.. نستطيع إن بدأنا بأنفسنا وكنا نحن القدوة، ومن يتعلم.. الحمد لله، ومن يصر على الاستمرار في طريق الجهل والتعدي.. ندعو الله لنا وله بالهداية، ولكن لا نتوقف.. أبدا لا نتوقف عن تدريب أنفسنا في التأني حين اختيار كلماتنا والتأني حين قراءة كلمات الآخر، قبل التواصل والرد.