بالرغم من وجود سلبيات في الاتهامات المتبادلة بين 'نزاهة' و'الأمل' إلا أنها تُعد تعزيزاً لمبدأ الشفافية في بيئة العمل الحكومي، وفي رأيي تُعد ظاهرة صحية تسهم في تطوير الخدمات الصحية وكذلك جهود مكافحة الفساد
تابع الناس باهتمام ما تناقلته وسائل الإعلام من تصريحات واتهامات متبادلة بين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نزاهة ومجمع الأمل للصحة النفسية بمدينة الرياض، حيث أصدرت نزاهة بياناً تتهم فيه المجمع بمجموعة من المخالفات والتجاوزات التي ترقى إلى شبهة فساد، فيما رد المجمع في بيان آخر، شكك فيه بصحة تحقيقات نزاهة والقول بأنها مخترقة!
بالرغم من وجود سلبيات في الاتهامات المتبادلة بين نزاهة والأمل إلا أنها تُعد تعزيزاً لمبدأ الشفافية في بيئة العمل الحكومي، وفي رأيي تُعد ظاهرة صحية تسهم في تطوير الخدمات الصحية وكذلك جهود مكافحة الفساد، مع أن البعض عدّ ذلك نوعاً من التشويه لسمعة المجمع وتخويف المرضى من مراجعته وعدم الثقة في خدماته!، حيث يقول أحد المسؤولين بالمجمع إنه يجب أن تكون الجهات الرقابية مساندة وموجهة للعمل، دون مساس بشرف العاملين، واتهامهم بناء على شبهات لم تثبت، وأن تحترم الجهات الرقابية بعضها دون أن تقوم جهة بنسف كل ما قدمته الجهات الرقابية الأخرى، وتستهين وتشكك فيه، وأن تتم معالجة أي خطأ دون تضخيم، وبحكمة.
ومن هنا يتضح أن الإشكالية ليست في ملاحظات نزاهة وإنما في نشرها إعلامياً واعتبارها شبهة فساد، وما حدث هو نوع من الدفاع عن النفس، ولو اقتصر الأمر على المخاطبات السرية بين الجانبين لما رأينا هذه الاتهامات فيما بينهما على الإطلاق.
ومن المفارقات العجيبة في هذه القضية، اتهام نزاهة بأنها تشكك في شرف العاملين بالمجمع، في حين أن المسؤولين في المجمع يشككون أيضاً في شرف العاملين في نزاهة وفي المجمع معاً، حيث يعترفون بأن هناك مجموعة من الموظفين والأطباء المقصرين هم من وراء هذا التهويل الإعلامي!، في حين أنه من الطبيعي أن تكون البلاغات والشكاوى من فئة قليلة من الموظفين تعاني من مشاكل مع الإدارة، وربما كان هناك تصيد لأخطاء هؤلاء الموظفين لإضعاف موقفهم من القضية.
أما فيما يتعلق بالتشكيك في تحقيقات اللجان الرقابية الأخرى، فهذا أيضاً لا يلغي دور نزاهة في تقصي أوجه الفساد، فربما كانت هناك قضايا أخرى تبحث فيها تلك اللجان غير الإشكاليات والملاحظات التي أثارتها نزاهة، فلجنة وزارة الصحة على سبيل المثال، هي لجنة غير مستقلة، وهي تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية تجاه أي تقصير أو إهمال قد يحدث في المجمع، علماً بأن بيان المجمع قد ألقى بالمسؤولية على الوزارة فيما يتعلق بنقص الأدوية وإبرام عقود الصيانة والنظافة!
أما بخصوص ملاحظات نزاهة حول المجمع، فهذه تحتاج إلى مناقشة وتحليل، ونأخذ بعضاً منها كأمثلة، وذلك على النحو التالي:
• الملاحظة الخاصة بوجود نقص في بعض الأدوية المهمة، ورد المجمع بأن الأدوية يتم توفيرها من التموين الطبي بالوزارة ولم يسبق أن حدث نقص في أحد الأدوية إلا تم توفير البديل المناسب له، والسؤال المطروح هنا: هل يوجد نقص في الأدوية بسبب السرقة؟ بمعنى هل تم جرد الأدوية ولوحظ وجود عجز في أرصدتها؟ أو لوحظ وجود صرف من بدون وصفة طبية أو مستند صرف من المستودعات؟ وهل هناك ضوابط رقابية لصرف الأدوية للمرضى تم اختراقها من قبل العاملين في المستشفى؟ أم أن هناك خللاً إدارياً في آلية توفير الأدوية للمستشفى بشكل عام؟
في هذه الحالة كان الأجدر بنزاهة أن توضح مكامن الخلل في إدارة الأدوية في المستشفى، وأن توضح نوع وسبب نقص الأدوية، فقد يكون السبب فساداً يتمثل في السرقة أو خللاً إدارياً قد يترتب عليه فساد يتمثل في الهدر الدوائي والإسراف في الصرف أو الأخطاء الطبية.
• بخصوص سوء الصيانة والنظافة، والقول بأن المجمع ليس من اختصاصه توقيع العقود والمناقصات مع الشركات المشغلة ويقوم بمتابعتها وتلافي أي ملاحظات وتطبيق أنظمة العقود عليها بكل صرامة ولم يصل مستوى النظافة إلى سيئ في أي وقت في المجمع، وهنا نتساءل: هل تقارير الإشراف على المقاولين يخالف الواقع؟ فهل تم إعطاؤهم معدلات أداء جيدة وهي في الحقيقة سيئة بهدف صرف مستحقاتهم فقط؟ وهل تم صرف مبالغ لأعمال لم يتم تنفيذها؟ أم أن هناك خللاً إدارياً في عملية الإشراف على أعمال الصيانة والنظافة ترتب عليه سوء الأعمال المنفذة؟ أو ربما هناك خلل في الصياغة القانونية للعقود؟.. ومن خلال الإجابة على هذه الأسئلة نستطيع تحديد أوجه الفساد، لذا كان من الأفضل ذكر ما تم كشفه بالتحديد في بيان نزاهة.
• بشأن ملاحظة نزاهة عن المحاباة في تنويم المرضى، وتأكيد المجمع على أن التنويم يقوم على الرأي الطبي في المقام الأول، فهل هناك معايير مكتوبة ومعتمدة تتعلق بدخول وخروج المرضى؟ وهل هناك تحديد واضح لمسؤولية تحديد السرير والجناح للمريض، بحيث تكون هذه العملية موزعة بين موظفي قسم الدخول والهيئة الطبية، بالإضافة إلى وجود نماذج موثقة لعملية التنسيق هذه؟ وأخيراً هل اكتشفت نزاهة حالات موثقة وبالأدلة، لحالات ثبتت فيها المحاباة في تنويم المرضى؟
أكتفي بهذا القدر من الأمثلة على الاتهامات المتبادلة بين نزاهة والأمل، ويلاحظ مما سبق، عدم وضوح أدلة الإثبات بين الطرفين، بالإضافة إلى عدم وضوح التصنيف بين الفساد والخلل الإداري، لذا كان من الأجدر توضيح هذه الأدلة بالتفصيل عند النشر الإعلامي لمثل هذه القضايا.
ومهما يكن، يظل الباعث على التشجيع في هذه القضية، هو إعلام المجتمع بالنتائج الرقابية والذي يعني الشعور بالمسؤولية، ويمثل الخطوات الأولى والأساسية لمكافحة الفساد، بالإضافة إلى نشر الوعي وإيضاح فوائد توافر النزاهة والشفافية للمواطنين في مختلف نواحي الحياة، من خلال التمسك بالقيم الأخلاقية التي تسهم في مكافحة الفساد في جميع الأعمال داخل وخارج الجهات الحكومية.