القوانين لدينا تصب في صالح الأغنياء والشركات الكبيرة، سواء فيما يتعلق بالمعاملات البنكية أو حتى الإجراءات الحكومية، فأي شاب يملك مشروعا أو شركة صغيرة لا يحصل على أي نوع من التسهيل في الإجراءات من الدولة
كشفت دراسة للاقتصادي العالمي هرناندو دي سوتو في منتصف التسعينات حول الرأسمالية، عن أن سر نجاح النظام الرأسمالي واقتصاد السوق الحر في دفع التنمية يكمن في منظومة البيئة التشريعية والقانونية وليس في الخطوات الاقتصادية التي تقوم بها الدولة، وضرب دي سوتو مثالا بمصر التي أوضح أن أحياءها العشوائية تبلغ قيمتها كأصول ما يقارب من 240 مليار دولار في عام 1996، وهو رقم يعادل في حينه 116 ضعف قيمة أكثر من 60 شركة قطاع عام مصرية تمت خصخصتها بين عامي 1992 و1996.
أي أنه في الوقت الذي انخرطت فيه مصر مع بداية التسعينات في تنفيذ وصفة ما يعرف بـإجماع واشنطون (Washington Consensus) وهي وصفة المؤسسات الدولية المالية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي الداعية لتحرير الأسواق والخصخصة وغيرها من الخطوات التي يفترض أن تدعم ركائز النظام الرأسمالي في أي دولة مما يقود لتنمية اقتصادية، لم تكن تلك الوصفة الاقتصادية لتؤتي ثمارا كالتي كان من الممكن أن تؤتيها الإصلاحات القانونية والتشريعية كتمليك تلك العشوائيات لساكنيها وإدخالها في المنظومة الاقتصادية للدولة، حيث يمكن عندها بيعها أو رهنها أو جباية ضرائب عليها وبالتالي زيادة ثروة الدولة وناتجها القومي. هذا ما أطلق عليه دي سوتو رأس المال الميت (Dead Capital)، وهو رأس المال الذي لا تستفيد منه الدولة ويظل حبيس الاقتصاد غير الرسمي (Informal Economy).
اقتصاد السوق كما أوضح دي سوتو، لا يمكن أن يعمل بكفاءة إلا في بيئة قانونية قوية وصارمة وواضحة وفاعلة، كما هو في الغرب اليوم، وأهم أسباب فشل النظم الرأسمالية في دول العالم الثالث كما يراه، هو ضعف المنظومة القانونية التي تجعل الاقتصاد غير الرسمي يتوسع على حساب الاقتصاد الرسمي (مقال الكاتب في الوطن: أفكار من خارج الكتيب التقليدي بتاريخ 14/10/2012).
الوضع في المملكة يختلف عن نظيره المصري بشكل كبير ولكننا في المملكة نملك رأسمالا ميتا من جهة أخرى قوامه 1.5 مليون مستفيد تقريبا من برنامج حافز (للعاطلين عن العمل) هذا عدا عن مجموعة كبيرة من المواطنين تعمل في القطاع الخاص بأجر متدن (محافظ المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية صرح في وقت سابق أن 1.2 مليون مواطن يعملون في القطاع الخاص براتب 1500 ريال فقط). وفي الوقت الذي لا تزال فيه معدلات البطالة مرتفعة فإنه في المقابل تزداد معدلات العمالة الأجنبية (ارتفعت بمقدار 2.5 مليون عامل أجنبي جديد في الفترة من 2004-إلى 2010)، ذلك أن المملكة تشهد طفرة اقتصادية وزيادة في الأعمال، ولكن أغلب ما يتم خلقه من أعمال إنما هو أعمال ذات رواتب متدنية وهو الأمر الذي تختفي معه قدرة السعودي على منافسة العامل الأجنبي. إن الاقتصاد غير الرسمي الذي توسع في المملكة على مر السنوات هو ذلك الاقتصاد الذي نما في الظل بعمالة أجنبية (سواء كانت مخالفة أم لا) وقتل فرص تنمية قطاع أعمال سعودي حقيقي برؤوس أموال صغيرة ومتوسطة.
ذكرت في مقالي السابق أن اقتصادنا محتكر من قبل الشركات الكبيرة، وأن البنوك تسهم في زيادة هذا الاحتكار من خلال سياساتها البنكية التي تقتل فرص نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، رغم أن البنوك تستفيد من الدولة وتحصل على ربح مجاني، من خلال الحصول على فائدة إقراض الدولة، دون أن يعود جزء من هذه الفائدة للمواطن. وعندما طرحت الحكومة عام 2006 برنامج كفالة الذي يقدم ضمانات حكومية للبنوك، مقابل تقديم تسهيلات وتمويل للشركات الصغيرة والمشاريع الشبابية، قامت البنوك بالالتفاف على الهدف الأسمى لهذا البرنامج، من خلال وضع اشتراط على الشركات الصغيرة الساعية للحصول على تمويل، تحت ضمان برنامج كفالة، بتقديم ثلاث ميزانيات مدققة قبل الحصول على التمويل، وهو نفس الإجراء القياسي المتبع مع أي شركات أخرى تسعى للحصول على تسهيلات بنكية، دون الحاجة للضمان المقدم من برنامج كفالة. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لشركة صغيرة أسسها شباب، أن تقدم ميزانيات مدققة لثلاث أعوام إذا كانت مثل هذه الشركة تحتاج في الأساس لتمويل لكي تنمو وتعمل؟!
بحسب أحد المصادر، فإن البنوك قامت بالالتفاف على أهداف برنامج كفالة من خلال دفع عملائها من الشركات التي تحصل بالفعل على تمويل وتسهيلات لإنشاء شركات صغيرة وتقديم طلبات للاستفادة من البرنامج، بينما هدف البرنامج كما أريد له، هو مساعدة الشباب غير القادرين أساسا على الحصول على تمويل. فالشباب لدينا هم رأس المال الميت في الاقتصاد، وهم رأس المال الذي يمكن بقوانين بسيطة الاستفادة من إمكاناتهم (potential) وإطلاقها بشكل كبير، بدلا من استمرار تعطيلها بهذا الشكل الذي لا يضر فقط بالاقتصاد، وإنما يهدد الأمن والاستقرار.
معالجة المشاكل الاقتصادية تبدأ من معالجة منظومة القوانين، والقوانين لدينا اليوم تصب بشكل كبير في صالح الأغنياء والقادرين والشركات الكبيرة، سواء فيما يتعلق بالمعاملات البنكية أو حتى الإجراءات الحكومية في مختلف الإدارات، فأي شاب يملك مشروعا أو شركة صغيرة لا يحصل على أي نوع من التسهيل في الإجراءات من الدولة، بدءا من وزارة التجارة، ومرورا بمكاتب العمل، وانتهاء بالدفاع المدني، بينما لو كان هناك توجه واضح لتحفيز عمل الشركات الصغيرة والشبابية لرعت الدولة على سبيل المثال إنشاء مراكز للخدمة الشاملة (one stop shop)، على غرار ما تقدمه هيئة الاستثمار للمستثمر الأجنبي، فيمكن للشاب وأصحاب الشركات الصغيرة أن يتم تسهيل الإجراءات لهم، أو لأنشأت سوقا مالية للشركات الصغيرة مثل الأسواق المالية الموجودة في دول عدة التي يتم فيها تداول أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة، أو لأجبرت الشركات في عقودها الكبيرة مع الدولة على توجيه جزء من مقاولات الباطن لشركات صغيرة ومشاريع شبابية، والأفكار في هذا المجال كثيرة ومتعددة.
في أغلب اقتصادات العالم تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة SMEs عصب الاقتصاد، في الاتحاد الأوروبي 99? من الشركات هي صغيرة أو متوسطة، و9 من كل 10 شركات صغيرة ومتوسطة هي في واقع الأمر متناهية الصغر (Micro) أي يعمل بها أقل من 10 موظفين، وبصورة عامة يعمل بالشركات الصغيرة والمتوسطة 2 من بين كل 3 موظفين في القطاع الخاص بأوروبا. وفي الولايات المتحدة تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة ما نسبته 65? من الوظائف الجديدة التي تخلق في الاقتصاد. في اليابان وألمانيا توجه الحكومة أكثر من 50? من برامج الدعم العام إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة، بحسب تقرير لمنظمة OECD. المسألة لا تحتاج سوى لمنظومة قانونية تكون في صالح الشباب ومشاريعهم وشركاتهم الصغيرة، لكي يستفاد منهم، بدلا من أن يظلوا رأسمال ميتا في اقتصادنا، والعائد على الدولة والمجتمع سيكون كبيرا، سواء على الجانب الاقتصادي أو حتى الأمني.