يجب تطبيق النظام بحق أي مستشفى يقوم باحتجاز مرضاه، لدفعهم لتسديد مستحقاته، وبعد أن يدرك المستشفى أنه لا يملك حق احتجاز المريض فإنه سيفكر في طرق أخرى في إطار القانون تضمن له حقوقه، مثله مثل أي دائن آخر، يحتاج لتحصيل حقوقه
نشرت صحيفة عكاظ هذا الأسبوع خبراً عن مستشفى خاص في جدة احتجز رضيعاً حديث الولادة، بعد أن دفعت شركة التأمين جزءاً من تكاليف ولادته ومضاعفاتها، ولم يتمكن والده من دفع بقية المبلغ، ولذلك فقد رفض المستشفى أن يخرج الرضيع إلى أن يتم تسديده.
ويكشف تصريح المسؤولين في المستشفى الذي أشارت إليه الصحيفة عن الاعتقاد السائد لدى بعض المستشفيات بأن من حقها احتجاز الطفل في مثل هذه الحالة، إلى أن يتم تسديد فاتورة المستشفى كاملة.
وتقوم بعض تلك المستشفيات، بصفة روتينية، باحتجاز المرضى إلى أن يتم دفع تكاليف علاجهم. وفي الغالب، لا يدوم هذا الاحتجاز طويلاً، إذ يقوم المرضى أو ذووهم، بدفع فاتورة المستشفى، تحت هذا التهديد، أو تتعهد شركة التأمين بالدفع. ولكن ماذا لو تعذر على المريض أو ذويه توفير المبلغ في الحال؟ أو رفضت شركة التأمين دفع المبلغ كاملاً؟ أو كان هناك خلاف على المبلغ المستحق؟ هنا يبدأ كابوس يواجه المريض وأسرته لتفادي احتجاز المريض لدى المستشفى فترة طويلة، يلجؤون فيه إلى الاقتراض من الأقارب أو البنوك أو المرابين، وإذا لم يتمكنوا، فإن النتيجة هي ماحصل في مستشفى جدة الذي أشرتُ إليه، حيث يحتجز المريض لفترات قد تطول، إلى أن يحصل المستشفى على ما يعتقد أنه مستحق له.
وغني عن القول إن احتجاز المرضى مخالف للنظام، لأن أي إجراء سالب للحرية أو مقيد لها حق للدولة وأجهزتها الرسمية فقط، ولا يجوز لفرد أو مؤسسة ممارسة هذا الحق. ولذلك فإن قيام المستشفيات باحتجاز المرضى هو افتئات على هذا الحق يجب النظر إليه جنائياً، وهذه هي نظرة القانون في معظم الدول، التي يُعتبر فيها مثل هذا الاحتجاز جنحة يُعاقب عليها القانون باعتبارها نوعاً من الاختطاف القسري.
ويلاحظ أنه في كثير من هذه القضايا بين المستشفى والمريض، هناك خلافات مشروعة تحتاج إلى معالجة من طرف محايد، فقد لا يكون المبلغ مستحقاً فعلاً على المريض، وقد يكون لشركة التأمين التزام في الموضوع لم يتم أداؤه. وقد يكون هناك في بعض الحالات تحالف غير معلن بين شركة التأمين مع المستشفى لإلزام المريض وذويه بالدفع مستفيدين من ظروفه الصعبة، ومن إمكانية احتجازه إلى أن يسدد المبلغ محل الخلاف.
وقد أشرتُ إلى أن تقييد حرية الفرد حق للدولة وحدها. وحتى في ذلك، تضع المواثيق الدولية ضوابط وقيوداً كثيرة على هذا الحق. أما في القضايا المدنية والمالية على وجه الخصوص، وهي موضوعنا اليوم، فإن القانون الدولي يضع قيوداً إضافية، ويمنع القانون الدولي لحقوق الإنسان سجن أي شخص بسبب عجزه عن الوفاء بالتزامات تعاقدية، وقد تم تضمين هذا التوجه في الميثاق الدولي للحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1969م الذي حظر حبس الفرد بسبب عدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية. وحيث صادقت جميع دول العالم تقريباً على الميثاق فإن هذا المبدأ قد أصبح عرفاً دولياً ملزماً، وهو ملزم حتى لو تم الاحتجاز بموافقة صاحب الشأن، بمعنى أنه لا يجوز للشخص رهن نفسه أو فرد من أفراد أسرته بهدف ضمان سداد التزام مالي.
فإذا كانت الاتفاقيات الدولية تضع قيوداً على حق السلطات القانونية في تقييد حرية الفرد في القضايا المالية، حتى في إطار الإجراءات القانونية والقضائية، فكيف يُسمح للمؤسسات الخاصة أن تقوم باحتجاز المواطن دون أي إجراء قانوني؟ وكيف يمكن لمستشفى احتجاز أي مريض لمجرد رغبته في ضمان دفع ما يراه مستحقاً له؟ وفي حالة سُمح للمستشفيات باحتجاز مدينيها، ألا يشجع ذلك الدائنين الآخرين ليتخذوا إجراءات مشابهة؟ إلى أين يصل المجتمع إذا تُرك للطرف القوي، مثل المستشفى في هذه الحالة، حق اتخاذ ما يراه مناسباً لتحصيل حقوقه، بصرف النظر عما يقضي به القانون؟
وبلا شك فإن ثمة مستشفيات خاصة لا تنجرف إلى هذه التصرفات غير القانونية، ولكن بعضا منها يقوم بذلك، وتظهر تصرفاتها عدم المبالاة بحقوق المرضى، بل استهتاراً بالقانون والنظام العام، حين تجيز لنفسها أن تقوم بدور المدعي والحَكَم والسلطة التنفيذية في آنِ واحد.
ولذلك فإن من الضرورة الملحة أن يتم تطبيق القانون بمحاسبة المستشفيات التي تقوم باحتجاز مرضاها، وبعد أن يدرك المستشفى أنه لا يملك حق احتجاز المريض لاستيفاء مستحقاته، فإنه سيفكر في طرق أخرى في إطار القانون تضمن له حقوقه، مثله مثل أي دائن آخر، مؤسسة كانت أو فردا، يحتاج لتحصيل حقوقه.
وفي الوقت نفسه، فإن ثمة حاجة إلى وجود وسيط محايد في مثل هذه الخلافات، يسعى إلى حلها ودياً بين المريض والمستشفى وشركة التأمين (إن كانت طرفاً)، بدلاً من ترك ذلك لمن هو أقوى ذراعاً أو أقوى واسطة.