تحدثت في مقالي السابق عن زيارتي مع مجموعة من الأصدقاء إلى جنوب أفريقيا؛ حيث بدأت الرحلة بزيارة محمية الصيد التي يمتلكها رجل الأعمال السعودي عبدالله العميل وتحدثت عن أجواء الصيد / القنص التي شكلت عندي مذاقاً جديداً وتجربة فريدة لم يسبق لي المرور بها على هذا النحو، واستكمالاً للحديث عن القنص واشتراطاته فإن الصيد في محمية إف.إم F.M SAFARIS مقنن، ولا يترك عشوائياً وذلك من أجل الحفاظ على النوع؛ فالغزلان أنواع مختلفة والحال كذلك مع بقية موجودات المحمية، ولا يسمح غالباً بصيد أنثى الحيوان درءاً للانقراض التدريجي، وأظن أن نظام التقنين في الصيد مطبق في كل المحميات والسفاري هناك، وبسبب كثرة ما يصاد - أحياناً - فإنه يتم تخزين اللحوم وتوزيعها على أهل البلدات المجاورة للمحمية هذا طبعاً بعد أن يتذوق القناصة لحم صيدهم في إحدى الوجبات التي يتم تحضيرها في موتيل المحمية.
يوجد في جنوب أفريقيا 9 آلاف محمية خاصة يمتلكها عدد من المستثمرين الأجانب وبعض رجال الأعمال المحليين، وهناك العديد من المحميات والسفاري التي تديرها الدولة، والواقع أن وجود هذه المحميات الطبيعية يسهم بلا شك في المحافظة على البيئة الفطرية وتنميتها، هذا عدا أنها تحولت إلى مصدر دخل قومي للدولة ومحفظة سياحية جيدة لجنوب أفريقيا.
في محمية إف. أم يوجد مهبط للطائرات التجارية الصغيرة، بعد خمسة أيام لا تنسى غادرنا المحمية ثم أقمنا في كيب تاون الجميلة خمسة أيام أخرى، ولأنني أعرف ذائقة السائح السعودي فإن ذلك يجعلني أؤكد على أن كيب تاون مدينة تجمع أسباب الجمال والراحة بمناظرها الخلابة وأماكن إقامتها الجميلة التي تطل على الشريط الساحلي كامبز/ بي CAMPS BAY وهي المنطقة العامرة بالمطاعم البحرية وأصناف الطعام الأخرى والممشى الطويل والآمن لهواة الرياضة، إضافة إلى الأسواق الجيدة المناسبة للأسر السعودية أيضاً، في كيب تاون الكثير من المساجد والجوامع نظراً لوجود نسبة عالية من المسلمين هناك.
يتردد كثيراً على مسامعنا أن جنوب أفريقيا ليست آمنة، وقد يكون لهذا الانطباع أصل في الواقع لكنني خلال رحلتي إلى هناك لم أشعر بأي خطر ولله الحمد، ربما لأننا عصبة من الأصدقاء، كما أن مواقع الخطر معروفة للعامة، وهي في الغالب في مدينة جوهانسبرج، ومن المحافظة على السلامة عدم ارتياد هذه المواقع.
غادرنا كيب تاون إلى مدينة صغيرة اسمها نايسنا knaysna وقد استغرق الطريق إليها خمس ساعات بالسيارة لكن الوقت مر سريعاً تبعاً لما كنا نمر به في طريقنا من مناظر خلابة واستراحات الطرق السريعة التي تغمرها النظافة في كافة مرافقها (لا أدري لماذا أتذكر محطات واستراحات طرقنا البرية التي لا تعبر عن سلوك متحضر وإنما تمثل في قذارتها سلوك الرجل البدائي المتوحش الذي لا يعرف كيف يتعامل مع منتجات المدنية).
وعن مدينة نايسنا يحلو الكلام لأنها تجمع كل أسباب الجمال، وكل عناصر الإبهار الرباني في طبيعتها الخضراء وبحيراتها التي تفترش السهوب والأودية، وهذه المدينة مليئة بملاعب الجولف وهي مهوى للعديد من هواة ونجوم هذه اللعبة، وهي مناسبة جداً لمن يحبون الهدوء والأجواء الرومانسية ليس فيها صخب المدن وخالية من التلوث البصري والسمعي، ونايسنا تشبه كثيراً بعض المدن السويسرية وتفوق بعضها في جمالها الطبيعي وخضرتها التي تغطي كل المساحات وتصلح للاسترخاء والروقان، وقد بقينا فيها ليلتين ثم غادرنا بالطائرة إلى مدينة جوهانسبرج التي مكثنا فيها يومين زرنا خلالها متحف العنصرية الذي يعرض بالصور وشرحها مسيرة الثورة على سطوة وعنصرية الرجل الأبيض الذي كان يعزل السود عن كثير من الأماكن والخدمات الحصرية التي جُعلت للبيض دوناً عن أهل البلاد الأصليين الذين تراكمت اعتراضاتهم وحنقهم وتصاعدت حدة الثورة حتى تمكنوا فعلياً بقيادة الرمز نيلسون مانديلا من تحقيق المساواة وتأكيد أن جنوب أفريقيا هي ساحة لتعايش كل العرقيات باختلاف جذورها.
أيضا هناك ساحة مانديلا التي تتوسطها نافورة مائية ثم تمثال ضخم للرمز الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا ويحيط بها عدد من الفنادق الراقية والمطاعم المتنوعة.
جوهانسبرج مدينة كبيرة على قدر متيسر من أسباب المدنية والفنادق والأسواق وواحات السفاري للحيوانات المتوحشة، لكنها رغم جمالها إلا أنها لا تقارن بصفوة مدن جنوب أفريقيا كيب تاون.
في مدينة نايستا زرنا في جولة واحدة غابة القرود التي تجمع أصناف القرود المتنوعة القادمة من أنحاء الدنيا، ثم ذهبنا بعدها لزيارة جنة الطيور وهي الأخرى محمية لشتى أنواع الطيور التي تعيش وسط الأشجار والغدران المائية تحت مظلة شبكية عالية تسمح لهذه الطيور بالتحليق في مساحة كبيرة لكن دون أن تغادر المحمية، ثم ذهبنا ثالثاً إلى واحة الفيلة التي يمكن للزائر التصوير معها ولمسها مع وجود الحراس والمدربين الذين استأنسوا هذه الفيلة. - يتبع –