هل تنجز لنا الرواية ما عجزت عنه القصيدة؟، هل توقفت منابع الشعر عن تزويدنا بالخيالات الضرورية للمغايرة والاختلاف؟ وبالتالي جاءت الرواية لتكمل الحكاية التي يجب أن تروى عن كل شيء؟، هل للشعوب مزاجاتها الإبداعية التي تتباين وتختلف بمثل اختلاف جغرافياتها وطبائعها؟، ثم هل نحن محكومون بالشعر ولا سواه؟، أم إن المسألة إنسانية بحتة، وبالتالي ما ينطبق على الآخرين يمكن أن ينطبق علينا؟.
إذا كنت ممن يتبنون السياق الإنساني المفتوح ومسارات الشعوب المتشابهة، هل نستطيع في المسرح مثلا أن نتحرك وننجز ما سبقتنا إليه تجارب المجتمعات الأخرى؟، كيف نوصف مثلا الهمة العالية لمدرسة النقد المغاربية وإنجازاتها الجادة كمشاريع؟ هل للمصريين مثلا ملامح مميزة واستثنائية في السرد والرواية على حساب الشعرية؟، لماذا للعراقيين نفَس مختلف في الشعر بكل الزخم الذي نلحظه، فيما الشوام سوريون ولبنانيون قادرون دوما على الاشتغال على الترجمة بجد ملحوظ ومراكمة دون سواهم؟، هل أخلص الخليجيون مثلا في تكوين المؤسسات الثقافية التي تحرك أهم مفاصل الثقافة العربية؟ أم إنها تشتغل على مسائل كالاستقطاب وخلق أذرعة دفاع ومناطق فكرية آمنة وترويج احتفائي فيه من المهرجانية أكثر مما هو إخلاص ثقافي؟
وسط ذلك كله، مازلنا هنا نعيد طرح الأسئلة الأولية حول ما يمكن إنجازه في الكتابة، السرد أم الشعر؟، القصيدة أم الرواية؟.
قبل ذلك، هل انتهينا من الإجابة عن أسئلتنا إنسانيا وثقافيا وتنمويا، وبالتالي ما يمكن وصفه بالرفاهيات النقدية حان دوره؟، وهو ما لا أظنه على الأقل في المدى المنظور القريب، هل كانت التجارب الروائية القليلة التي اندفعت لتحكي ما هو في الأغلب حكايات منقوصة منذ عقد زمني، أضافت ما هو حقيقي وفعلي وإبداعي، أم إنه زخم ضروري؛ كي تختمر التجربة ويجري بشأنها فرز إبداعي ربما ينتج عنه ما هو إيجابي وحقيقي؟.
هل استهلكت موجة الشعر العامي التي نشطت في التسعينات الميلادية من القرن الفائت مثلا الحماس الجماعي للشعر إجمالا، وخلقت رد فعل سلبي نفر كل موهبة واعدة من المغامرة؟ وبالتالي كانت الرواية فكرة وأسلوبا وقالبا، الأكثر قربا وصدقا وجاذبية؟ ثم إلى أي مدى جاءت الكتب التي تناولت بشكل تحليلي قراءة الملامح والتغييرات الاجتماعية والسياسية والفكرية في السعودية في تراجع الحماس الذي ارتفع للرواية، وحمس كثيرين لكتابة ما ظنوه جريئا وطموحا ومختلفا؟.
ما يمكن ملاحظته بشكل رئيس أمام مشهد الكتابة الذي نحن بصدده هو أن ثمة ما هو جماعي وأحيانا قطيعي، فيه من الموضة أكثر مما فيه من المحفزات، كانت موجة الثمانينات الكتابة الشعرية الحديثة تحورت لاحقا بسبب الظروف لحركة نقدية نشطة، سرعان ما تحولت إلى موجة شعر عامي جارف، سيطر على كل شيء، فيما جاءت الرواية بعد المرحلة السبتمبرية وموجة الإرهاب، حتى تراجعت أمام سلسلة إصدارات تحليلية تناولت بالرصد والتوثيق أهم ملامح وتغيرات المجتمع، لكن ثم ماذا؟، هل ستستطيع التقنية في الدفع لإنجاز شيء ما؟ سننتظر؛ لأننا حكما في مرحلة التجريب والتفاعل.