كثيرا ما تأخذني مراكب الحنين ـ رغما عني ـ إلى شواطئ الماضي عندما كنا صغارا نرتقب العيد بعيون حالمة حبلى بعناقيد البهجة

كثيرا ما تأخذني مراكب الحنين ـ رغما عني ـ إلى شواطئ الماضي عندما كنا صغارا نرتقب العيد بعيون حالمة حبلى بعناقيد البهجة، وبنفوس طازجة تتأهب للبس الجديد وقطف ثمار الفرح. لا أنسى أبدا أننا كنا نتحسّس يومياً ملابسنا وأحذيتنا الجديدة مُمررين أيادينا الصغيرة عليها بحب ووله في انتظار ملول لساعة ارتدائنا لها يوم العيد. أما المراجيح فكانت حدثا استثنائيا يزورنا كل عيد مرة، لنعيش نشوته حتى الثمالة ونرتشفه قطرة قطرة؛ حيث تنصب المراجيح في (ميدان المناخة) بالمدينة المنورة، وتتبع عيوننا وقلوبنا الصغيرة تطورات نصبها حتى تستوي على عودها، لتحتفي بالعيد السعيد وبأولاده وبناته الصغار التواقين لرضاعة الفرح من صدره العامر. بينما تجمع صلاة (المشهد) بالحرم النبوي الشريف أهالي المدينة المنورة، وكان جلّهم يعيشون في بيوت متاخمة للحرم قبل أن تبتلعهم المسافات وتختفي هوية المنطقة الملاصقة للحرم، ويبعدهم عنها ـ إلا قليلا ـ امتداد المدينة وتحويل المنطقة المركزية إلى غابات من العمارات التجارية الشاهقة!
كان نزق طفولتنا يضيق من معايشة النهايات وانتظارولادة البدايات؛ بما تحفل به ساعات الولادة من قلق الانتظار والترقب لما يخبئه لنا أفق العيد المتسع على وعود وأحلام تنتظر الحصاد في اليوم المشهود. كان ضيقنا بالصيام وبآخر آيام رمضان مفضوحا مهما حاولنا إخفاءه، وكان أحد ظرفاء عائلتنا ـ شافاه الله ـ يلاحظ ضيقنا وتبرمنا، فيقذف في وجوهنا بعبارة مداعبة قائلا: رمضان شهر فراقه عيد! وبرغم أن عبارته كانت تجد صدى مقبولا في نفوسنا؛ كونها لسان حالنا، إلا أننا نظهر الامتعاض ونحاول التعالي على طفولتنا ونستغفر الله قائلين: حرام .. كيف رمضان شهر فراقه عيد؟! فيجابهنا بابتسامة عريضة ملؤها الحب والتسامح والقدرة على قراءة ما يجول في خلد الطفولة والتصالح مع براءتها وضعفها: ألا ينتهي شهر رمضان بقدوم العيد؟ يعني فراقه عيد. وهو يشجعنا بذلك على التعبير عن مشاعرنا ورغبتنا الطفولية المشروعة في القطاف السريع، ويحررنا من عقدة التأثيم وطاوبوية المواعظ التي لا تراعي العمر أو بشرية الإنسان وضعفه! لتقمع تساؤلاته وتصبه في قوالب التنميط وأطر المسايرة الاجتماعية؛ المؤدية بالضرورة للنفاق وإخفاء الطفل لما يبطنه. كانت تلك الروح المتسامحة العفوية تسود أجيال آبائنا وآبائهم من قبلهم، حين كان يتجلى التدين سلوكا ومعاملة وأخلاقا كريمة وترابطا ومحبة وتقبلا للضعف البشري، دون انفصال بين السلوك والعبادات، لتسود البراءة والنوايا الحسنة مغدقة على الجميع من نفحات طيبها!
تغيرنا وما تغير العيد، وتغيرت حولنا الكثير من الظروف الاجتماعية، لكن يبقى العيد كما هو يحمل دوما وعودا بالأمل وتجديدا للفرح. لم يتغير العيد ولكن تغير تلقينا واستقبالنا له، وهو ما يجب أن نعمل عليه لنجهض أية مشاعر سلبية تمنعنا من تخليق الفرح من حولنا!
تعالوا ننشر ثقافة الفرح فالفرح كما الحزن مشاعره معدية، ولنستعر قلوب وأرواح أطفال صغار، ونغني معهم بعالي الصوت: أهلا بالعيد أهلا أهلا.. يا عيد يا عيد.. هييييييييييه.