نقضي الإجازة خارج الوطن بكل معطياتها النظامية، وعندما نعود نؤجل كل ممارساتنا الحضارية إلى حين استعادتها في أقرب إجازة. فهل نحن نعاني من الانفصام في الشخصية؟!

العنوان لا يعبر عني شخصيا فقط، ولكنه يعبر عن حالة كل السعوديين الذين يلمسون حالة الانفصام في كل حالاتهم الراسخة أو المتحولة.
عندما تغادر أقدامنا أرض المملكة، وحالما تطأ أقدامنا أرضا خارجها يبدأ نظام البرمجة السلوكية عند السعودي في التغير، كلنا كذلك رجالا ونساء، كبارا وصغارا، يتساوى في ذلك الإنسان التقي وغير التقي، فالهوية الأهم هي الجذر السعودي للسلوك المتغير.
نغادر أرض الوطن، فيبدأ التغير الإيجابي ظاهرا على كل تصرفاتنا ومنسجما ـ على وجه التمام ـ مع كل أنظمة وقوانين البلد الجديد.
نربط الحزام، نلتزم بالإشارة الضوئية، نسير بالسرعة المحددة، نتوقف عن التحرش، ترتقي ملافظنا، تهدأ أعصابنا، نقف في الطابور، نتخلى عن البحث عن واسطة، ننسى المحسوبية، نتسامح، نبتسم مع الآخر إذا تأكدنا أنه غير سعودي، نمارس اللطف وحسن المعاشرة ورقي الحوار مع الآخر، لكننا ـ رغم كل التحفظ ـ نتعرف على بعضنا بعضا هناك، ونأخذ في نقاش أمورنا، ونتعشم في أن نرتقي درجة في التحضر والتعاطي مع أسباب المدنية كما يليق بها.
لكن كلامنا كله وأمنياتنا تطير في الهواء مثل بالون منتفخ بالكلام والأمنيات والأفكار.
لا أحد منا نحن المواطنين قادر على تعليق الجرس، نقضي الإجازة خارج الوطن بكل أدواتها وأسبابها ومعطياتها النظامية، ونتغير تماما كما يشاء نظام ذلك الوطن، وبحسب صرامة ودقة تنفيذ قوانينه.
لكننا نعود لنتغير عما كنا عليه من تحضر في الخارج، منذ أن تغادر أقدامنا وطن المهجر أو المصيف الموقت، وفور أن تطأ أقدامنا أرض الوطن العزيز.
نعود كحالنا السرمدية التي لا تبالي، ولا تتعاطى مع كل سلوكيات التحضر وتصبح شوارعنا نهبا للرعونة والتهور والتعدي.
نتجاوز الإشارة الحمراء، ونعرض غيرنا للخطر، لا نربط الأحزمة مع شعور مغلوط بالتحرر، نخالف الاتجاهات، نتقافز فوق الأرصفة، ونثير الغبار في وجوه من خلفنا في أنانية بشعة، لا نحسن التعبير عن الفرح في حالات فوز فرقنا الكروية أو أيامنا الوطنية، ودونك ما يحدث من تحرش بالنساء أو اعتداء صبياني لا يجد من رادع.
عندما نعود إلى وطننا نشعر بالأمان، الذي يبيح لنا اختراق النظام، واستخدام ورقة الواسطة المناطقية أو القبلية، أو ورقة الوجاهة لخرق هذا النظام المسكين الذي لا يجد له حارسا.
نعود فنحيل حمامات مساجدنا واستراحات طرقنا السريعة إلى مستنقعات تضج بالقذارة وسوء الاستخدام الحيواني الذي لا يليق بالإنسان المتحضر، فضلا عن أنه المسلم الذي يحثه دينه على النظافة والإيثار والتكافل ونبذ الأنانية.
نعود إلى وطننا، فنؤجل كل ممارساتنا الحضارية ونركنها على الرف إلى حين استعادتها في أقرب إجازة.
فهل نحن بعد كل هذا التغير المعلوم والمدرك نعاني من الانفصام في الشخصية؟! وعلى من تقع مسؤولية التغيير طالما أنا وأنت وكلنا كذلك ندرك ذلك؟!
كلنا نتحدث وبصوت مرتفع في مجالسنا عن هذه الازدواجية، وكلنا نرفضها ونعدها نقيصة دينية ودنيوية، لكننا جميعا نمارس نفس السلوك الانفصامي المزدوج، وكلنا جميعا نذم هذا المسلك.
فإن كان ذلك كذلك لدى الجميع، فكيف نتغير لمرة واحدة وتكون لنا شخصية ثابتة في كل الأمكنة والأزمنة؟، ومن عليه تقع مسؤولية تعليق الجرس؟.