إن مزاولة الموظف الحكومي للتجارة وخاصةً إذا كان من موظفي الإدارة العليا، واستغلال وظيفته في مصالحه التجارية، يتطلب وجود قوانين تشريعية تعرّض مخالفها للفصل من الوظيفة، بالإضافة إلى العقوبات الجنائية، كما يتطلب الأمر تفعيل إقرار الذمة المالية للموظف

تحظر لوائح الخدمة المدنية على الموظفين الحكوميين، الاشتغال بالتجارة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وقد حددت تلك اللوائح الأعمال التجارية التي يحظر على الموظف مزاولتها، والتي تؤدي إلى اكتسابه صفة التاجر، ومن هذه الأعمال على سبيل المثال ما يلي:
-قيام الموظف بالاشتراك في تأسيس الشركات أو قبول عضوية مجالس إدارتها أو أي عمل فيها أو العمل في محل تجاري إلا إذا كان بموافقة حكومية.
-قيام الموظف بتسجيل محل تجاري باسم القاصر الذي تشمله ولايته أو وصايته كالابن أو البنت.
-شراء المنقول أو العقار بقصد بيعه أو بعد تغييره بصفة مستمرة .
وقد استثنى النظام من الأعمال السابقة جواز اشتغال الموظف في بعض الأعمال بشرط ألا تكون الجهة الحكومية التي يعمل بها طرفاً فيها، مثل تملك الحصص والأسهم في الشركات المساهمة والشركات ذوات المسؤولية المحدودة وشركات التوصية.
هذا وقد يتبادر إلى الذهن أن سبب منع الجمع بين العمل في الجهات الحكومية والعمل في الشركات، هو في سبيل تفرغ الموظف للقيام بأعباء وظيفته، وحتى يتمكن من أداء واجباته المنوطة به دون تقصير، ولكن قد نتجاهل أن السبب الرئيسي هو ألا يكون هناك مجال للحصول على مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة، وخاصةً من كبار الموظفين من الرؤساء والمديرين الإداريين.
وعلى الرغم من أن لوائح الخدمة المدنية تؤكد بلهجة تأديبية قاسية على عدم أحقية الموظف الحكومي في ممارسة العمل التجاري، إلا أن هناك ممارسات تحايلية على هذه التعليمات من كبار الموظفين، ولا تطالهم العقوبات التأديبية، بل على العكس من ذلك، تطال صغار الموظفين المغلوبين على أمرهم!.
فتعليمات الخدمة المدنية قرار المجلس رقم 418 وتاريخ 16 /1 /1417هـ، تسمح للمستخدمين والمعينين على بند الأجور وموظفي المرتبة الخامسة فما دون، بالعمل في الشركات والمحلات التجارية وممارسة الأعمال الحرفية وقيادة سيارات الأجرة والحافلات والشاحنات خارج وقت الدوام على ألا يتعارض ذلك مع واجبات العمل، ومع ذلك قد يتعرض العديد من أمثال هؤلاء الموظفين للتعسف الإداري وربما الفصل من الخدمة، بسبب أنهم يمارسون أعمالاً تجارية أثرت على أدائهم الوظيفي كالبيع في سوق الخضار على سبيل المثال والـتأخر في الحضور إلى العمل صباحاً!.
أما مع الرئيس الإداري فالأمر مختلف، فهو قد لا يأتي إلى العمل إلا في ساعات متأخرة يومياً، وقد يكون صاحب شركات مسجلة رسمياً باسم واحد من أبنائه أو زوجته، ويمارس من خلال وظيفته الرسمية كل النفوذ الذي يُمكن هذه الشركات من الفوز بالمشاريع الضخمة الخاصة بالجهة الحكومية التي يعمل بها، وبالطبع فإن كل إجراءات الترسية تبدو نظامية، وجميع المشاريع تم طرحها في منافسة عامة، وهذه الشركات دائما تحظى بهذه العقود.
وحتى لا تنفضح اللعبة، يتم تغيير أسماء هذه الشركات حتى ولو كانت بأسماء صورية، وليس هذا وحسب، بل قد يكون هناك تبادل مصلحي مع رؤساء أو مديري في جهات حكومية أخرى، فيتم تقاسم سوق المشاريع فيما بينهم.
أما فيما يتعلق بتعليمات الخدمة المدنية الخاصة بعدم قيام الموظف بقبول عضوية مجالس إدارات الشركات، فقد تكون هناك علاقات وطيدة بين الرئيس أو المدير الإداري في بعض الجهات الحكومية مع أحد أعضاء مجالس الإدارات في إحدى الشركات تربطهم علاقات جيدة أيضاً مع المديرين المسؤولين عن هذه الشركات، وبالتالي فإن هذا العضو يلعب دور الوسيط في سبيل فوز الشركة بمشاريع الجهة الحكومية دون لفت الأنظار إلى هذا التحايل، وكلٌ يأخذ عمولته في كل منافسة عامة.
فإذا كانت الرواتب ومخصصاتها المالية لا تؤدي إلى الثراء السريع، فلا شك أن هذا الثراء قد أتى من طرق غير مشروعة، فإذا كان دخل الموظف السنوي مائتي ألف ريال على سبيل المثال، فإن ذلك لا يكفيه لبناء منزل أو شرائه بملايين الريالات دفعةً واحدة خلال تلك السنة، ولو لم ينفق من ذلك الراتب ريالاً واحداً، فيستحيل أن تأتي هذه الملايين من الوظيفة فقط، إلا إذا كانت عن طريق إرث أو قروض بنكية أو ما شابه ذلك.
وبناءً على ما سبق، فإن مزاولة الموظف الحكومي للتجارة، وخاصةً إذا كان من موظفي الإدارة العليا، واستغلال وظيفته في مصالحه التجارية، يتطلب وجود قوانين تشريعية تعرّض مخالفها للفصل من الوظيفة، بالإضافة إلى العقوبات الجنائية، كما يتطلب الأمر تفعيل إقرار الذمة المالية للموظف، حسب ما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، حيث تنص المادة (20) من الاتفاقية على أن تنظر كل دولة طرف...، في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد موظف عمومي إثراء غير مشروع، أي زيادة موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة، قياساً إلى دخله المشروع.
وقد يقول قائل هنا: إنه بالإمكان التحايل على إقرار الذمة المالية، وكذلك القوانين الخاصة بالإثراء غير المشروع، من خلال فتح حسابات بنكية في الخارج أو عن طريق غسل الأموال، أو بالإمكان التحايل على الجهات الرقابية من خلال القيام بشراء أراض وعقارات خارج البلاد، بحيث تكون الأرصدة في البنوك المحلية معقولة وتتناسب مع مستوى الدخول الوظيفية، وبالتالي فإن إقرار الذمة المالية وكذلك القوانين الأخرى لن يكون لها أثر ملموس على مكافحة الفساد.
وأقول: توجد قوانين وأنظمة لمكافحة غسيل الأموال، ناهيك عن رقابة مؤسسة النقد على البنوك والمصارف وبالتالي التحويلات المالية المشبوهة، كل هذه القوانين والآليات مجتمعة سوف تعمل جنباً إلى جنب مع القوانين الأخرى المجرمة للإثراء غير المشروع، ولكن من الضروري في هذه المرحلة البدء في سد الثغرات الرقابية الموجودة في الأنظمة والتعليمات.