اعتمد بعض الفئات بكل قلة حصافة، وبكل كثرة سفاهة على 'جئتكم بالذبح' كدليل في مشروعية ذبح المسلمين وغيرهم، وإباحة جز رؤوس مخالفيهم
من أكثر ما نعاني منه اليوم عدم إدراك كثيرين لمنهج التعامل مع السنة النبوية، والتسرع في أخذ المعنى الظاهر، وعدم الرجوع إلى العلماء الثقات لمعرفة المراد من أحاديثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ.. من هذه الأحاديث الشهيرة ما روته كتب الصحاح بطرق متعددة عن ساداتنا عروة بن الزبير، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهم ـ، قال قلت له: ما أكثر ما رأيت قريشا أصابت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانت تظهر من عداوته. قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر فذكروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا؛ لقد صبرنا منه على أمر عظيم. قال: فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبـل يمشى حتى استلم الركن ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول. قال فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضى ثـم مر بهم الثالثة فغمزوه بمـثلها فقال: تسـمعون (يا معشر قريش) أما والذي نفس محـمد بيده لقد (جئتكم بالذبح)، فأخذت القـوم كلمته حتى ما منـهم رجل إلا كأنمـا على رأسه طائر واقع.. ـ الحديث له بقية ـ، وقد اعتمد بعض الفئات بكل قلة حصافة، وبكل كثرة سفاهة على جئتكم بالذبح كدليل في مشروعية ذبح المسلمين وغيرهم، وإباحة جز رؤوس مخالفيهم.
يخطئ كثيرًا من يقول بأن الحديث الشريف حديث عام، بدليل قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: يا معشر قريش. ويخطئ أكثر من يتعامى عن قول الحق ـ سبحانه وتعالى ـ في محكم بيناته: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ـ عن (العالمين)، يقول سيدنا ابن عباس - رضي الله عنهما -: للناس جميعهم كافرهم ومؤمنهم ـ. ويخطئ جدا من يغض طرفه عن خطابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ للبشرية بقوله في الصحيح: يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة، وقوله: إنما بعثت رحمة، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لملَك الجبال عندما قال له في القصة الصحيحة المعروفة: إن شئت أطبق عليهم الأخشبين ـ جبلان بمكة ـ؟، قال له: بل أرجو الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ودعواته الشهيرة: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.
الحديث لمن يريد أن يفهم النقولات الآنفة هو في سياق الحديث عن (سبعة) من عتاة قريش؛ عمرو بن هشام الملقب بأبي جهل، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وأربعة آخرين غمزوه، وعابوه، وشتموه - صلى الله عليه وسلم -، وهو يطوف؛ فأوقفهم عند حدهم. وأقول إن من يريد حمل جئتكم بالذبح على غير هذا المحمل، ويريد أن ينحر به رؤوس الناس؛ يفتقر إلى فهم السنة الشريفة في سياق القرآن الكريم، وفهمها في سياق ورودها، ولا أشك مطلقا في أنه بتطاوله على مقامه - صلى الله عليه وسلم - إنما يريد أن يُكذب اللهُ ورسوله.. اللهم أنر البصائر.