يجب أن تتعزز وتتوطد ثقة الناس من الجمهور في أجهزة الأمن وكذلك حراس الفضيلة من خلال توخي الحذر عند منسوبي هذه القطاعات وعدم إتاحة الفرصة أو السماح لبعض من قد يسيئون إليهم ويحرجون سمعتهم

سأحاول في هذا المقال الاقتصاص وصولاً للإنصاف من الإعلاميين- وأنا منهم- وذلك في قضية الاعتداء الجنسي ثم الابتزاز الذي تولى كبره رجلان من أفراد الشرطة بحق فتاة تم إركابها ثم مفاحشتها قسراً، وتصوير ذلك وابتزازها على هذا النحو لمدة خمسة أعوام، فلما ضاقت بهم وعيل صبرها لجأت لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستنجد بهم وتستجير، وكما أعلم فقد تم - بالفعل- الترصد لرجلي الشرطة وقبض على أحدهما متلبساً ولم يكن الثاني في تلك الواقعة حيث استمر البحث عنه.
حسناً .. ماذا بعد:
أكثر شيء استفزني في خبر الحادثة هو القلق الذي صار يتنامى عندي خشية أن تهتز ثقة الناس ببعض رجال الأمن، وليس جديداً التأكيد على أن استقرار الأمن وشعور الإنسان في دواخله بالاطمئنان راجلاً أو راكباً، حاضراً أو مسافراً، ليلاً أو نهاراً، وحيداً أو مصحوباً هو من أبرز الضرورات وأهم المنافع والمكتسبات التي يحظى بها الفرد والجماعة في حياتهم، وهذه الاعتبارات مدركة ومصانة في الشرائع الدينية والمدنية، وكما نعرف فقد تواترت الأحاديث النبوية الشريفة في هذا الأصل الذي تؤكد عليه كركن رئيس لهناء الإنسان وسعادته، ولست هنا في وارد التشكيك في رجال أمننا الذين هم محل ثقتنا ولله الحمد، وأعلم يقيناً أن هذه الحادثة الفردية لا يمكن الاستدلال بها أو الحكم من خلالها، ومعلوم أن الشاذ لا حكم له.
لكنني أتطلع إلى شيء من الضبط لبعض السلوكيات الخارجة عن نسق الصرامة العسكرية، والتي ربما أنها كانت موجودة لكنها لم تكن تصل للناس، أما في زمن وسائل التواصل والوسائط الحديثة فإن أي مشهد خارج عن المألوف ويتم تصويره ونشره فإنه يتداول على نطاق واسع مما يجرح الهيبة والانضباط المرتسم في أذهان الناس عن رجال الأمن، ومعلوم أنني أقصد هنا بعض اليوتيوبات التي ذاعت وانتشر صيتها لبعض رجال الأمن وهم يمارسون حالة من الاستهبال والخروج عن النص في سلوك يشي بحالة من التمرد البشري وربما الطبيعي عن الحزم المعتاد.
وعليه فإن مقتضى الحال يفرض مراعاة ما استجد من هذه الوسائط وإدراك أن ما كان يخفى سابقاً قد يظهر ويجهر ويقهر بخروجه لكل الناس في وضح النهار، وهذا هو ما يحتم التعامل بمقتضى هذه التطورات ووضع الأنظمة التي تتسق ومحدثات الأمور.
كما أن الناس كل الناس في انتظار ما سيصدر بحق الذين تورطوا في حادثة ابتزاز الفتاة حتى يطمئنوا، وبالمقابل لكي يرتدع من رجال الأمن من قد تسول له نفسه استغلال هذه السلطة بشكل منحرف.
وأعود إلى قضية الاقتصاص من الإعلاميين - كما قلت - وألومهم على شيء وجدته من الانحياز في تغطية هذه الحادثة وإهمالها وعدم إبرازها، وربما كان القصد هو السعي لعدم انتشار خبر الحادثة بين الناس للإبقاء على هيبة رجال الأمن، لكن كثيرا من الناس تساءلوا لماذا يتم التركيز على أخطاء رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتضخيم بعض تجاوزاتهم التي يتورط فيها بعض المتحمسين من المحتسبين، ومع الإيمان بوجود الأخطاء المعروفة من رجال الهيئة فإن السؤال الذي يلح على الكثيرين هو لماذا يتم إغفال إنجازات رجال الهيئة في ضبط محلات ومصانع الخمور ومروجي المخدرات وتجار السحر والشعوذة على حين يتم تكبير أخطائهم، والتي لا يتحملون أوزارها وإنما مردها لبعض المتطوعين غير المنتسبين حقيقة للهيئة.
أخيراً يجب أن تتعزز وتتوطد ثقة الناس من الجمهور في أجهزة الأمن، وكذلك حراس الفضيلة من خلال توخي الحذر عند منسوبي هذه القطاعات، وعدم إتاحة الفرصة أو السماح لبعض من قد يسيئون إليهم ويحرجون سمعتهم ويفقدون ثقة الناس فيهم رعاة للأمن وللأخلاق الفاضلة.