على تلفزيوننا العزيز أن يغير أسلوبه من خلال إضفاء المرونة في التعبير عند المذيعين ومقدمي البرامج والتخلي عن حالة الصرامة والتخشب التي ترتسم على محيا وأسلوب المذيع التلفزيوني
يتداول في هذه الأيام يوتيوب لحوار تجريه مذيعة في القناة الأولى مع بعض شبابنا حول زيارتهم لهيئة السياحة، ويعكس الشريط مدى الارتباك ثم العجز عن التعبير عند أبنائنا، والحال كذلك في التصنع والبعد عن العفوية عند الوزير والغفير والغني والفقير والمتعلم وخلافه، وليس السبب عائدا لهيبة الكاميرا - رغم ما لها من هيبة - ولكن السبب الأبرز هو أسلوب التعبير عندنا الذي ربانا في المدرسة على الانشغال بوعاء التعبير وليس التفكير بموضوع الكلام، أي بمعنى أننا نفكر كثيراً في كيف سنقول ما نريد أن نقوله وكان الأحرى أن نفكر أولاً بالذي سنقوله أكثر من كيف سنقوله، وهكذا فإن تزويق كلامنا وترصيعه بالمفردات الفصحى هو الذي يتسبب في ضياع زبدة التعبير ويخون أدوات توصيل الفكرة وسط هذا الحشو، وللأسف فإن التكلف المزيف هو الذي يدخل في كثير من أنماط سلوكنا وليس كلامنا فحسب.
. لست ضد لغتنا الفصحى الجميلة، لكنني مع المرونة الكلامية التي لا تكترث بضبط حركات الفتح والكسر والشد والتسكين، وإنما تعمد إلى التحرر من التقعر واللجوء لاستخدام ما يعرف باللغة البيضاء أو باللغة الثالثة التي هي وسط بين المحلي والفصيح.
. جرب أن تجري حواراً تلفزيونياً بين صغيرين: أحدهما مصري والآخر سعودي وستدرك المسافة الكبيرة بين القدرة المتميزة في التعبير عن المكنون وإيصال الفكرة بسلاسة وسرعة عند المصري الصغير، فيما ستلحظ توهان السعودي الصغير بين متطلبات اللغة المتصنعة التي تسيطر على أسلوب التعبير عنده وبين الإفصاح عن دواخله، ولاشك أنه سيتلكلك ويتلعثم ويتردد وسيقع في مطبات لغوية ثم سيقف، ثم تتبين طريقه الكلامي، ثم يستمر مجدداً ثم يضيع الطريق، لكن افترض أن هذا السعودي الصغير قد تمت محاورته من قبل مذيع مصري فما النتيجة؟
على الفور ستجد أن صغيرنا قد عمد إلى التعبير بيسر وسهولة من خلال الحديث باللهجة المصرية، فلماذا هو تعرقل عندنا في الأولى وانطلق في الأخرى؟ إنه الأسلوب والفارق اللغوي في التعبير.
. في الفصل الدراسي وكذلك في أسلوب التقديم التلفزيوني الذي يُخشّب المذيعين ما يكرس ويعزز هذا النسق التعبيري عند أجيالنا، وهذا النهج هو الذي يخرج عندنا أجيالا متعاقبة تعاني من الإعاقة في التعبير والتأتأة وصعوبة الكلام، والأكيد أن هذا الانفجار الفضائي، واقتحام القنوات الخاصة لبيوتنا، واستقطابها للنسب العليا من المشاهدين هو ما تسبب في تدني نسب مشاهدة قنواتنا المحلية والانصراف إلى القنوات اللبنانية والمصرية وقنواتنا المهاجرة، وذلك في ظني بسبب أسلوب التقديم المباشر وغير المتكلف، وليس صحيحاً ما قد يُظن أنه بسبب هامش الحرية فإن قنواتنا المحلية تتحرك في برامجها بحرية معتبرة، لكن الناس تمقت التكلف والتصنع، وهو ما نلمسه في طرائق التقديم عندنا.
على تلفزيوننا العزيز أن يغير أسلوبه من خلال إضفاء المرونة في التعبير عند المذيعين ومقدمي البرامج، والتخلي عن حالة الصرامة والتخشب التي ترتسم على محيا وأسلوب المذيع التلفزيوني.
دعوهم يتصرفون وفق عفويتهم وطبيعتهم كي يدخلوا في منافسة مع أقرانهم في القنوات التجارية.
وعلى مدارسنا أن تغرس العفوية ذاتها والتلقائية في نفوس أبنائنا، وأن تدع لهم الحرية ليتحدثوا مع معلميهم بكل تلقائية كما يفعلون ذلك في بيوتهم مع والديهم وإخوانهم.
. مدارسنا ووسائل إعلامنا هي التي تضع العراقيل أمام أن نكون كما نحن بكل التلقائية والمباشرة بعيداً عن التكلف واصطناع الرسمية.