ليسمح لي 'ميكافيلي' أن أغير عبارته الخالدة الغاية تبرر الوسيلة لتصبح 'الغابة' تبرر الوسيلة. من الواضح أن العالم المادي لا يخجل من تحولاته التي تغفل القيم وتضع المصلحة في مقدمة الأولويات

تظل أنظمة الحكم الشمولي التي تهز سيف الدين أو الأيدولوجيا تمارس الوسائل الموصلة لأهدافها بجرعات تتفاوت وتتغير صعوداً أو نزولاً بحسب الحال الراهن، تذكرت ذلك وأنا أرى السيد محمد جواد ظريف وهو يكركر ويقهقه ويرتج بكل جسمه مع السيدة آشتون في اجتماع إيران ودول الست الكبرى، لا أبالغ لكن جواد ظريف قد بالغ في الضحك والاستظراف مع آشتون حتى لقد خشيت أن يقع به الكرسي ويستلقي على قفاه من شدة ما أظهر المودة.
وإليك لقطة أخرى فقد ظهر لنا السيد روحاني مبتسماً وهو يلبس الـتي شيرت والـترنج أو البنطال الرياضي خلال متابعته لمباراة فريقه في كأس العالم متخلياً عن عباءة الملالي وألبستهم الرسمية.
أردت أن أقول إن هذه الحال المتبسطة والمنشرحة التي ظهر عليها روحاني وكذلك جواد ظريف هي من مقتضيات المرحلة الحالية التي تغير لبوسها بعد أن كان للإيرانيين في مرحلة سابقة سمت يصطنع المهابة والجدية أمام ممثلي الشيطان الأكبر، وكذلك هم مع ممثلي الشياطين الأصغر، وكانوا يرسمون تلك الملامح والهويات بغرض حشد التأييد والولاء عند المستضعفين وذوي النزعات القومية، ومعلوم أن التجهم وتبني المسحة الراديكالية أو مسوح الأتقياء يقتضي إظهار العداء والاحتقار للاستكبار العالمي ولكل الإمبرياليين والبرجوازيين المترفين.
ولما كانت تلك المرحلة والتي من أهدافها تصدير الثورة تستلزم هذا التيبس وتقتضي أن تكون الوجوه الإيرانية الممثلة لها في المحافل الدولية عابسة ومكفهرة إلا أنهم في تلك الأثناء كانوا يستخدمون محافظهم المالية في شراء الخبرة النووية من فلول الاتحاد السوفيتي أو من كوريا الشمالية، كذلك كانوا يوظفون سفاراتهم وقنصلياتهم في تنشيط العمل التجسسي والاستخباراتي وزراعة الخلايا والطوابير المؤيدة عبر ممثليهم في العالم إلى حين يتم تثويرهم وإحداث القلاقل، وكان هذا واضحاً عبر حزب الله بفروعه في أكثر من دولة عربية وأفريقية وكذلك الحوثيين في اليمن كما سعوا لاستنهاض همم الشيعة في العالم العربي من خلال التجييش الطائفي.
وقد كان هذا البذل السخي لهذه الخلايا يأتي على حساب ما يعانيه الإيرانيون في الداخل من عوز وفقر نتيجة المقاطعة أو بسبب تسخير الموارد لتحقيق أهداف الثورة الخمينية، لكن مع ذلك فقد بات من الواضح أن أميركا في عهد أوباما المتردد قد رضخت لضرورة التفاهمات الثنائية مع إيران بل والتنسيق معها في كبح ما يحدث في العراق.
أيضاً فإن من الواضح أن العالم المادي لا يخجل من تحولاته التي تغفل القيم وتضع المصلحة في مقدمة الأولويات بدليل كيل أميركا بمكيالين في قضية ساطعة كالشمس حين تمنع في الأولى وتمنح في الثانية، أي تمنع مناصرة الثوار في سورية رغم معاناتهم الواضحة، ورغم القتل والتدمير المستمر خلال السنوات الثلاث الماضية، لكنها في المقابل تمنح الحق لسفنها وحاملاتها لتذهب إلى العراق بحجة ردع الثوار هناك، والمفارقة هنا لا تسوغها الأخلاق ولكن تبررها النفعية والمصلحة حيث تكمن آبار النفط في العراق لكن لا نفط - يستحق- في سورية.
في شريعة الغاب أعلم أن القوي هو الذي يتعلّى على القانون وعلى حقوق الإنسان وعلى الأخلاق والأعراف وما جاءت به الأديان، وليسمح لي ميكافيلي أن أغير وأحرف في عبارته الخالدة الغاية تبرر الوسيلة لتصبح الغابة تبرر الوسيلة.