تنفيذ مبادرات الأمن الفكري والوطني الموجهة للنشء، يجب أن تسبقها تهيئة للعاملين في الميدان التربوي والتعليمي، وعمل 'إعادة تهيئة' لمن يحملون أفكارا محابية للجماعات المتطرفة أو من يظهرون التعاطف معهم

المتتبع للأحداث العالمية والمحلية خلال الأسابيع المنصرمة، سيلحظ أن كلمة داعش هي أكثر كلمة ترددت على كافة الأصعدة، تحدثًا وكتابة واستفسارا عن ماهية هذه الحركة الإرهابية المريبة التي خلقت وتمددت سريعًا كسرعة النار في الهشيم. وما بين مؤيد ومعارض حول العالم لهذه الجماعة التي تتدثر بشعارات دينية تُغري البسطاء بتصديقهم، تم الإعلان في الأيام الماضية عن إنشاء دولة الخلافة الإسلامية بقيادة خليفتهم السردابي أبو بكر البغدادي. ولعل ما يؤسف حينما ننظر عن قرب لبعض فئات المجتمع في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة أننا نلحظ تأييدهم لهذا الإعلان الذي ترسم لهم خيالاتهم معه صورة وردية لدولة خلافة إسلامية مزعومة، متناسين السواد الذي يعلو وجوه ورايات الدواعش في ميادين جرائمهم الآن، ومتجاهلين سواد نواياهم وأفعالهم التي لم تترك مسلمًا سنيًا أو شيعًا إلا وأحرقته بنار ظلمها وشرّها بل تمدد أذاها لتسيء للإنسانية باسم الإسلام.
إن القائمين على هذا التنظيم أذكياء بما فيه الكفاية، حيث استطاعوا أن يجمعوا تحت لوائهم بكامل الولاء والطاعة أعدادًا كبيرة من مختلف الجنسيات وباسم الدين الإسلامي كما ذكرت سابقًا. وهم هنا يؤكدون ما قاله ابن خلدون في مقدمته: إن العرب لا يحصل لهم المُلك إلا بصبغة دينية من نبوّة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، ولأن النبوة انتهت بوفاة خاتم الرسل عليه الصلاة والسلام، فإن الدين ونصرته هي الصبغة التي يستخدمونها الآن، وبالتالي أعلنت داعش عن قيام دولة الخلافة الإسلامية ودعا الخليفة المزعوم من يؤيدهم للهجرة إلى أرضهم، مصوراً دار الخلافة والهجرة الجديدة بأنها أرض الأحلام والخلاص من الظلم والفقر والويلات مع ضمان الحصول على الرضا الإلهي وسبعين حورية! كل هذا في سبيل تحقيق نفوذ أكثر في بلاد أخرى وسعي لتنفيذ مآربهم الخفية التي لا تقبلها نفس سوية ولا فطرة سليمة. ولهذا ينبغي علينا أن نكون أكثر ذكاءً في التعامل مع هذا العدو وأمثاله وأكثر حرصًا في الحدّ من انتشار المد الداعشي للداخل وانتزاع الموجود منه سلفًا من تربة المجتمع الخصبة بمن يدعمهم سرا وجهارا.
انعقاد مجلس الأمن الوطني برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله ـ حفظه الله ـ في الأيام الماضية وأمره الكريم باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية الأمن الوطني مؤشر واضح أن القيادة مدركة لهذا الخطر، ولديها رؤيتها الخاصة وتدابيرها الأمنية المؤكدة، وهذا ما يُطمئننا كمواطنين تحت حماية هذا الكيان. ولكن المسؤولية الاجتماعية التي ينبغي أن يقوم بها كل فرد تجاه أمن وطنه واستقراره يجب ألا تتوقف عند حدّ الاكتفاء بالجهود الأمنية والحكومية. ولأن داعش ومن قبلها القاعدة والإخوان وغيرهم من الفئات الإرهابية تقوم على التأثير في أفكار المنتمين لهم فإن ميداننا الأول هو الفكر الذي لا يُجابه إلا بالفكر. وهنا يبرز دور التربية والتعليم في الأسرة والمدرسة لأن ما نراه ونعيشه اليوم من هذا القتال المذهبي والطائفي الشرس لم يكن سوى نتيجة لتراكمات قديمة زُرعت في تربة لينة سقيت بالكراهية والإقصاء للآخر حتى وإن كان على دينه نفسه ومن وطنه.
اللجنة التي أمر وزير التربية والتعليم خالد الفيصل بتشكيلها قبل قرابة خمسة أيام، والتي تعنى بالحفاظ على الهوية الدينية والثقافية والحضارية للمملكة، وربط النشء بهويتهم الإسلامية، وثقافة وطنهم وتاريخه، هي صورة لأحد إجراءات حماية الأمن الوطني في ميدان بكر قابل للتشكيل وبلورة الأفكار وصقل وعيها ثم إطلاقها في فضاء هذا العالم المتناحر دون وجل أن يخرج من صلب هذا الوطن من يحرض لاستباحة حرمته أو يقف بدم بارد مُفخخًا بأفكار مسمومة وقنابل بدائية يفجر ويقاتل تحت راية متطرفة كـداعش وغيرها مما قد يفرزه لنا وحل القتال النتن.
وقد بدأت هذه اللجنة أول اجتماعاتها العاجلة يوم الأربعاء الماضي، فإنني آمل ـ وأنا إحدى العاملات في الميدان التربوي ـ ألا يكون ما يُتفق عليه من أجندة وبرامج وخطط مجرد خطابات على ورق تُقتل ببيروقراطية اللجان والإدارات، ثم تنفذ بروح فاقدة لجذب هذا الجيل الواعي والمختلف عن غيره، والذي يحتاج أن يُخاطب عقله قبل أن تُنفذ له برامج تهريجية مملة.
الانتماء الوطني لا يحتاج إلى أن يقام له برنامج لمدة أسبوع أو شهر ثم يُنسى، بل يجب أن يكون مضمنا في المناهج الدراسية، أو يعد له منهج خاص يحوي كافة الأبعاد التي تدخل تحت مفردة الهوية الوطنية، كالبعد المعرفي، والديني، والاجتماعي، والمكاني، وتعليم مهارات التفكير الناقد والتحليلي؛ ليستطيع الطالب أن يميز الخبيث من الطيب فيما يوجه له داخل مدرسته أو خارجها. تنفيذ مثل هذه المبادرة الموجهة للنشء يجب أن تسبقها تهيئة للعاملين في الميدان التربوي والتعليمي، وعمل إعادة تهيئة لمن يحملون أفكارا محابية للجماعات المتطرفة أو من يُظهرون التعاطف معهم. ويكون أيضًا بالخروج من قوالب المناهج القديمة التي لا تتماشى مع روح العصر المتقدة والمتحفزة للانفتاح والاطلاع على الفنون والفلسفة وتاريخ الشعوب المختلفة.