على الدول العربية الراغبة في تحقيق المراكز الرياضية المتقدمة، أن تقتدي بسيرة وخطط الصين لاجتياز المنافسات الأولمبية والمحافل الرياضية، وأن تقرأ مذكرات 'هنري كيسينجر' في الدبلوماسية الخارجية

في مونديال البرازيل، الدولة الوحيدة التي شاركت في جميع المونديالات، وفازت بكأس العالم لكرة القدم خمس مرات، أعجبني تفاخر شعوب العالم بمنتخباتهم الرياضية، وشغفهم بمتابعة أعلامهم الخفاقة في الميادين الأولمبية، فتذكرت المقولة الشهيرة لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسينجر: لن تستطع أميركا أن تسيطر على العالم دون أن تتفوق في كرة القدم.
للأسف الشديد مازال العالم العربي إلى يومنا هذا يواجه بمنتخباته الرياضية الهزيلة الكثير من التحديات والمتناقضات، فمنذ بدء مباريات المونديال قبل 84 عاما، لم تتأهل سوى 8 دول عربية فقط للمشاركة في هذه البطولة العالمية، وهي: السعودية، الإمارات، الكويت، العراق، مصر، المغرب، تونس، والجزائر.
خلال هذه المباريات كانت السعودية أكثر الدول العربية حضورا، إذ كانت أول مشاركة لمنتخبنا الوطني في عام 1994، ليقدم عرضا شيقا توّجه بالفوز على بلجيكا بهدف المباراة الوحيد، الذي أحرزه اللاعب السعودي سعيد العويران.
كما شاركت السعودية في مونديال فرنسا عام 1998، وجنوب كوريا واليابان في عام 2002، وفي مونديال ألمانيا عام 2006.
المسيرة الرياضية السعودية بدأت بتأسيس نادي الاتحاد السعودي لكرة القدم بمدينة جدة عام 1927، الذي شارك وفاز في أول مباراة دولية له مع المنتخب البريطاني في عام 1949، مما أدى إلى تحقيق الاعتراف الرسمي بكرة القدم السعودية، وتشكيل جهاز تنظيمي حكومي لها في عام 1952.
اليوم وصل عدد نوادي كرة القدم السعودية إلى 58 ناديا، إلى جانب المنتخب السعودي، الذي بدأ مسيرته في عام 1957 بفوزه على سورية 3-1، وحقق أكبر انتصاراته في 1981 بفوزه على إندونيسيا 8-0، ولكنه لاقى أقسى هزيمة له عام 1961 أمام المنتخب المغربي في الدار البيضاء بنتيجة 1-13.
خلال مسيرته، تتالى على المنتخب السعودي أكثر من 45 مدربا محليا ودوليا، وشارك في نهائيات كأس آسيا لكرة القدم 7 مرات، وفاز بالكأس الآسيوية 3 مرات في 1984، 1988 و1996، وحقق المركز الثاني في 1992، 2000 و2007.
كما شارك المنتخب السعودي في نهائيات كأس العالم 4 مرات، وذلك في 1994، 1998، 2002 و2000، وحقق أفضل النتائج بوصوله إلى الدور الثاني في نهائيات كأس العالم لعام 1994.
إلى جانب ذلك حقق المنتخب السعودي كأس الخليج 3 مرات في 1994، 2002 و2003 وحقق كأس العرب في عام 2003، وكأس دورة التضامن الإسلامي في 2005، وبطولة الخليج الأولمبية الأولى في عام 2008.
وفي عام 2010، جاء تصنيف المنتخب السعودي متفوقا على باقي المنتخبات العربية، إذ احتل المركز الـ49، وجاء المنتخب التونسي في المرتبة الـ52، ثم المصري في المركز الـ64 من أصل 76 دولة شاركت في مونديال جنوب أفريقيا.
وإذا قارنا تاريخ الألعاب الرياضية في الصين مع الدول العربية، نجد أن الصين التي غابت عن تاريخ الألعاب الأولمبية منذ بدايتها في اليونان عام 1896، تفوقت أخيرا في أولمبياد بكين على دول العالم كافة، بما فيها غريمتها أميركا، بحصد أكبر عدد من الميداليات، فاقت 51 ميدالية ذهبية و21 ميدالية فضية و28 ميدالية برونزية.
عندما بدأت مشاركتها في الألعاب الأولمبية، التي أقيمت بمدينة لوس أنجلوس في أميركا عام 1984، فوجئت الصين بحصولها على 5 ميداليات فقط من أصل 302 ميدالية، ونتج عن ذلك أن جاءت الصين في المرتبة السادسة بعد أميركا وألمانيا ورومانيا وكندا وبريطانيا.
منذ ذلك الوقت اتخذت الصين قرارا صارما يقضي بإلزام مادة الرياضة البدنية على كل مواطن ومواطنة صينية مهما كانت أعمارهم، وفي مراحل التعليم كافة، وجميع أجهزة الدولة والقطاع الخاص.
وفي عام 1985 بدأت الصين بتنفيذ خطة رياضية استراتيجية محكمة؛ هدفت إلى تحقيق المرتبة الأولى في الأولمبياد خلال 25 عاما، فحشدت لذلك أفضل المدربين وأغرتهم بأعلى الرواتب والمكافأت، وأنشأت مئات الملاعب الرياضية وآلاف الصالات المغلقة، وأغدقت الغالي والنفيس على خيرة مواطنيها البارعين في المجالات الرياضية كافة.
خلال الألعاب الأولمبية التالية لألومبياد لوس أنجلوس حققت الصين مراكز مرموقة في المسابقات الرياضية كافة. في أولمبياد برشلونة عام 1992، ومن ثم أولمبياد أتلانتا في أميركا علم 1996 حصدت الصين 16 ميدالية ذهبية في كل منهما، وحققت المرتبة الرابعة بعد روسيا وأميركا وألمانيا.
وفي أولمبياد سيدني بأستراليا عام 2000، ومن ثم أولمبياد أثينا باليونان عام 2004 حصدت الصين 32 ميدالية ذهبية في كل منهما، واحتلت المرتبة الثالثة بعد أميركا وروسيا.
وفي أولمبياد بكين قبل عامين حققت الصين المركز الأول بين الدول في عدد الميداليات الذهبية.
السياسي المُحَنَكْ هنري كيسينجر كان ومازال من عشاق كرة القدم؛ بسبب ولادته ونشأته في ألمانيا. وعندما هاجر مع والديه لأميركا في عام 1938، واكتسب جنسيتها، ودرس العلوم الساسية في جامعاتها، بدأ كيسينجر يطالب الحكومة الأميركية، الغائبة عن كرة القدم، بدعم هذه الرياضة لقناعته بأن المنتخبات الرياضية الوطنية هي مرآة الشخصية القومية الحقيقية في السياسية الخارجية.
على الدول العربية الراغبة في تحقيق المراكز الرياضية المتقدمة بين دول العالم، أن تقتدي بسيرة وخطط الصين لاجتياز المنافسات الأولمبية والمحافل الرياضية، وأن تقرأ مذكرات هنري كيسينجر في الدبلوماسية الخارجية، لتفتخر بأعلام دولها الخفاقة في الملاعب الدولية، ولتحصل بجدارة على شرف الاعتماد الدولي والهيبة السياسية.