الحياة لا تجتهد لتبقيك كما أنت منذ أن دخلت إلى عراكها وعالمها، إنها تهبك بعض المستحيلات وعددا من الفرص والكثير من الحظ، فقط حينما تكون أنت مهيأً لهذا الحظ، ومستعدا لتلقي كل هذه الفرص التي لن تخذلك
في المسلسل الباهت فيفا أطاطا للفنان محمد سعد أو اللمبي، وفي أحد المشاهد التي مررت عليها صدفة، كان مشهد يقف فيه اللمبي في العصر الجاهلي أمام الرجل صاحب الدكان، ويقف خلف الرجل العبد الذي يملكه وهو يصرخ فيه، فيقول له اللمبي بشويش عليه، عشانه حتة كومبارس، لاعتقاد اللمبي في المسلسل أن ما يحدث أمامه ما هو إلا تمثيل، وليس جزءاً من واقع قديم، لكن صاحب الدكان الشرس رد عليه قائلاً لكنه عبدي، فقال له اللمبي ماتشوفشي نفسك عليه بكره ده الكومبارس يبقى في الصف الأول، وأنت تروح الصف الأخير، والحياة كدا. ربما يمر الحوار على أي مشاهد دون أن يفطن إلى ما كان يرمي إليه اللمبي، ودون أن يشغر فاهه كما فعلت، حيث تصادمتُ تقاطعاً مع هذه العبارة الطاغية بالواقعية.
نعم، حتة الكومبارس يمكن لهُ أن يتحول إلى بطل أوحد في السينما، من قال إن الكومبارس يظلوا طيلة حياتهم كومبارساً إلا إذا هم أرادوا ذلك، عدد كبير من الناجحين على مستوى العالم، بدؤوا حياتهم من اللاشيء، من الصفر، من اليأس والظلمة والخوف والفجيعة، ليصبحوا بعد سنوات أناساً لهم فاعلية وتأثير على المجتمع وربما على العالم بأسره، ولا نعود نذكر بداياتهم أبداً، وإنما تبقى الصورة الآنية لهم هي الصورة الحاضرة في أذهاننا فقط لا سواها!.
الحياة لا تجتهد لتبقيك كما أنت منذ أن دخلت إلى عراكها وعالمها، إنها تهبك بعض المستحيلات وعددا من الفرص والكثير من الحظ، فقط حينما تكون أنت مهيأً لهذا الحظ، ومستعدا لتلقي كل هذه الفرص التي لن تخذلك، ولكنك أنت من يخذلها وأنت من يصفعها لتتركه، أو يأخذها في حضنه ويبدأ مشوار الألف ميل معها. أذكر وأنا صغيرة كنت مدمنة مشاهدة سينما، وتتبع أخبار الفنانين والمبدعين، وهذا الأمر دفعني لاحقاً أثناء دراستي الجامعية لكي التحق بدراسة المسرح، وحتى هذه اللحظة أشعر بالسعادة كخيط من الهواء البارد يتسرب عبر جسدي بهدوء، حينما أعيد تذكر ميراث اللحظات التي كنت أقضيها برفقة أستاذ المسرح الدكتور خالد، الذي وهبني حبلاً طويلاً من الأمنيات والأحلام، وحرضني على فتنة الكتابة للماء والحياة والأصدقاء، ومازلت أضحك وأنا أعيد تذكر تلك اللحظة التي أجبرنا فيها أن نتخيل أنفسنا أدوات كهربائية، الخلاط الذي دخله زميلي حمد، وصار يدور حول نفسه ويظهر مهروساً أمام الجميع، فيما تحولت منى إلى مضربة عجين، بدت تتلوى أمامنا ولم أستطع حينها أن أكبح ضحكاتي المجنونة أمام زملائي، وأنا أترقب بعينين مالحتين منى وهي تسكن عالماً آخر.
المهم فيما كنت أود أن أقوله أنني كنت في الثانية عشرة من عمري، وقرأت حواراً لأحد الفنانين وبدا مصراً على توجهاته المبكرة في اكتشافه للوجوه الفنية الصاعدة، فقال إنني حينما كنت أبحث عن بطلة لفيلمي قال لي أحدهم وهو يشير إلى فنانة أصبحت فيما بعد أشهر منه خد البنت دي .. دي مجتهدة جداً، وعاوزة تنجح، أنا متأكدة جداً أن هذه العبارة لو قرأتها أي فتاة في عمري فلن تلقي لها بالاً، ولكن ما حدث معي بدا مختلفاً، إنه أشبه بحالة انتحار من فقدوا أوطانهم خلسة أمام أعينهم، لقد وقعت هذه العبارة في قلبي كالصاعقة وبقيت تشتعل في ذاكرتي حتى الآن، فقد فهمت ما رمى إليه الفنان، يعني أن كل ما عليّ أن أقوم به في حياتي القادمة، هو أن أجهتد إذا ما كنت أريد أن أنجح، وهكذا استطعت في هذا العمر المبكر أن أتنبه لعبارة الفنان القصيرة، التي خلفت أثراً كبيراً في نشاطي المهني. وقبل أيام أثناء مشاهدتي لفيلم توم هانكس إنقاذ السيد بانكس، حيث تدور قصة العمل حول صناعة الفيلم الشهير ماري بوبينز الذي يعد من كلاسيكيات الأفلام التي أنتجها والت ديزني، وكان والت قد أمضى ما يربو على عشرين عاماً في إقناع الكاتبة ترافيرز، كي تسمح له بصناعة فيلم يدور حول رواية أطفالها، وهو الحلم الذي تحول إلى حقيقية فيما بعد وأصبح فيلم Marry Poppins الغنائي، وهو من أفضل وأجمل الأفلام التي أنتجتها أستوديوهات ديزني، وأكثرها شعبية بين الأطفال والكبار على الإطلاق. وسريعاً ما تذكرت أشهر رسامي هذه المؤسسة الضخمة العالمية حينما كان صبياً صغيراً، إذ قام بإرسال عدد من أعماله الكارتونية إلى أحد المسؤولين في والت ديزني فرد عليه المسؤول تسعدنا رسوماتك، وننتظرك حينما تكبر أن تكون ضمن فريقنا، هذه الكلمات البسيطة بقيت مشتعلة في روح الصبي الصغير، فاجتهد في دراسته وانتسب لاحقاً للحصول على الشهادة الجامعية من إحدى الكليات الفنية، وذلك من أجل تطوير مهاراته في الرسم الكارتوني، وبعدها قدّم أوراقه إلى عالم والت ديزني، ومعه خطاب المسؤول، وتم تعيينه فوراً.
ثمة ثروات تشبه ثروات والت ديزني تحرضنا على الحلم، وتدعونا كما قال اللمبي لأن ننتقل من مجرد كومبارس إلى أبطال الصف الأول، فقط هي تنتظر قدومنا.
ورمضان كريم..