أصبحنا اليوم أمام علامتين تجاريتين للإرهاب في المنطقة تتنافسان فيما بينهما بضراوة للحصول على القطعة الأكبر من الكعكة، سواء من التمويل الذي يذهب لمثل هذه الجماعات أو المجندين الذين يتم استقطابهم

كود عمل تنظيم القاعدة خلال العقد الماضي بصيغة تشبه عمل شركة صاحبة علامة تجارية عالمية مسجلة، بينما عملت فروعه المتعددة سواء في جزيرة العرب، أو بلاد الرافدين أو المغرب العربي بصيغة الفرانشايز (حق الامتياز)، وضمن هذا الإطار النفعي التبادلي بين الطرفين كانت فروع التنظيم المتعددة تنتفع من كونها صاحبة امتياز تنظيم القاعدة في منطقتها (أي الشرعية الممنوحة من قبل صاحب الامتياز في حينها أسامة بن لادن)، وذلك في جذب الأتباع، وكان التنظيم الأم ينتفع من توسيع أعماله عبر تمدد الفروع.
وبنفس صيغة العمل التجاري البحت تمت صياغة العلاقة بين الطرفين، فالتنظيم الأم المحاصر في أفغانستان وشمال باكستان كان يضع التصور الاستراتيجي لتنظيمه ويبثه في الإعلام، بينما تعمل الفروع بحرية تامة كل في بيئته وبحسب ظروفه، مثلما يعمل أي مالك للفرانشايز في بلد ما مع الشركة الأم، فالوكيل المحلي أقدر على فهم بيئته والتحرك فيها بحرية. لقد تحول تنظيم القاعدة مع الوقت من تنظيم هرمي يعتمد على شبكات تمويل وتجنيد موسعة وخلايا فاعلة ونائمة إلى تنظيم ضبابي يرسل أفكارا عامة في الهواء لكي تتلقفها الجماعات المحلية التي باتت منفصلة عن التنظيم الأم سواء في القيادة أو التمويل، هذا الأمر أتاح لكلا الطرفين الاستمرارية، فالتنظيم الأم لم يعد يملك سوى علامته التجارية، ومن ثم فإن منحه الفرانشايز للفروع يصب في مصلحته، والفروع باتت لها حرية الحركة والفعل لكنها بحاجة لعلامة تجارية.
وكأي علاقة تجارية، خضع الأمر أحيانا لاتفاق الطرفين، أو خلافهما بحسب تطور الأوضاع. فعلى سبيل المثال شهدت علاقة حركة شباب المجاهدين الصومالية بتنظيم القاعدة دورات من الاتفاق والخلاف، حيث أرادت حركة الشباب الحصول على فرانشايز القاعدة في منطقة القرن الأفريقي لكنها عادت لرفضه وإعلان خلافها من تنظيم القاعدة حينما حاول التنظيم الأم فرض بعض المعطيات عليها. وهو نفس الخلاف الذي حدث في مرحلة لاحقة بين التنظيم وأبو بكر البغدادي الذي رفض الانصياع للظواهري في تقسيم القيادة بينه وبين الجولاني قائد جبهة النصرة في سورية.
على أن التطور الكبير الذي حدث مؤخرا هو نجاح البغدادي بعد خلافه مع الظواهري في تحويل الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى علامة تجارية مستقلة ينافس بها القاعدة. لقد كان نجاح الفرانشايز الذي يملكه البغدادي كبيرا بحيث أغراه بمنافسة الشركة الأم نفسها، والتوسع لفتح أسواق جديدة لنفسه دون اقتطاع أي أرباح للشركة الأم. لقد أصبحنا اليوم أمام علامتين تجاريتين للإرهاب في المنطقة تتنافسان فيما بينهما بضراوة للحصول على القطعة الأكبر من الكعكة، سواء من التمويل الذي يذهب لمثل هذه الجماعات أو المجندين الذين يتم استقطابهم.
إن هذا التنافس المحموم بدأت آثاره في الظهور على صعيدين رئيسيين:
أولا: تسجيل العلامات: مع إعلان البغدادي قيام الخلافة الإسلامية في الموصل وتحويل مسمى تنظيمه إلى الدولة الإسلامية بدأت عملية تسابق بين كل من القاعدة والدولة الإسلامية إلى تسجيل علامتيهما، حيث تمكنت الدولة الإسلامية من فرض مبايعة عدد من الجماعات التابعة لجبهة النصرة لها، وهو ما يمثل هزيمة معنوية للقاعدة، كما أعلنت جماعة بوكو حرام النيجيرية مبايعتها للبغدادي. في المقابل نجحت القاعدة في تثبيت مبايعة فرعيها في جزيرة العرب وبلاد المغرب لها، حيث أعلن الفرعان رفضهما لخلافة البغدادي والتزامهما بتنظيم القاعدة الأم. هذا الصراع الأشبه بالخلاف القانوني لتسجيل العلامات بدأت إرهاصاته بالظهور من خلال الخلاف الداخلي الشرعي/القانوني حول تنظيم الدولة الإسلامية والذي كان أبرز عنوان له هو إعلان المنظر الجهادي الأردني أبو محمد المقدسي رفضه لخلافة داعش.
ثانيا: العمل الميداني: بعد استيلاء داعش على الموصل وإعلانها الخلافة، بدأت فروع تنظيم القاعدة المرتبطة به في التحرك لمحاولة فرض وجودها ميدانيا مقابل التحرك الميداني للدولة الإسلامية في العراق وسورية، وبما أن جبهة النصرة في سورية تعاني من أزمة حقيقية وانهزامات ميدانية، فقد جاء التحرك هذه المرة من خلال فرع التنظيم في جزيرة العرب المتواجد في اليمن من خلال العملية التي تم تنفيذها عند منفذ الوديعة في جنوب المملكة، وإعلان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب عن عملية أطلق عليها كسر الحدود، مما يوضح هدف فرع التنظيم بتحقيق نجاحات ميدانية ينافس بها داعش ونجاحها الأخير في العراق.
هذا التطور الأخير في غاية الأهمية والخطورة، ففي نفس الفترة التي تمت فيها عملية منفذ الوديعة شهدت الحدود الشمالية للمملكة سقوط ثلاث قذائف بالقرب من مدينة عرعر، مع رصد محاولات تنظيم داعش الانتشار في الطرف المقابل للمملكة من الحدود العراقية والاستيلاء على المعابر. ومن ثم فإن المؤشرات تدل على أن تنظيم القاعدة المتواجد في اليمن سيستمر في محاولات تحقيق نجاح على حدود المملكة الجنوبية، بينما تنظيم داعش سيعمل على تحقيق نجاح على حدودها الشمالية، فكلا التنظيمين يتنافسان الآن، والمملكة باتت تمثل لهما جوهرة التاج التي سيفوز بها من يسبق.
فرانشايز القاعدة في اليمن بحاجة ماسة لتحقيق أي نجاح الآن، وفي ظل الظهور القوي لداعش فإن هذا النجاح لن يتأتى إلا بتحقيق ضربة داخل المملكة، فحتى تكوين إمارة في اليمن لم يعد مجديا لها وقد سبق لها القيام بذلك. في المقابل، فإن داعش باتت اليوم أمام معضلة كبيرة تتمثل في وصولها لأقصى اتساع جغرافي ممكن، فهي محاصرة شمالا بالأكراد الذين لا تنوي مهاجمتهم وجنوبا بمناطق الاشتباك الشيعي التي ستستنفذ قواتها ومواردها خاصة أن المعارك مع العراقيين ستزداد ضراوة كلما اتجهت جنوبا. وعليه، فإن الحل الأمثل لداعش مرحليا هو لم الصفوف والاعتماد على عمليات نوعية ضد المملكة لتثبيت نفوذها وتوسيع جاذبية علامتها التجارية مقابل علامة القاعدة.
المملكة تمثل أهمية كبرى للتنظيمين الإرهابيين كون نجاح أي منهما يعني قدرة جذب مزيد من الشباب وتجنيدهم خاصة أن هناك استعدادا للتطرف بين فئات من شباب المملكة (وهم يمثلون اليوم – للأسف – نسبة كبيرة من المقاتلين في كلا التنظيمين)، كما أن النجاح سيعني قدرة الحصول على مزيد من الأموال من داعمي الفكر الإرهابي. فالتنظيم الذي يثبت نفسه ميدانيا سيحصل على النصيب الأكبر من الدعم، وهذا ما حدث مع داعش وجبهة النصرة.
المملكة اليوم أمام تحد كبير وخطير، وعليها أن تضع نفسها في حالة حرب مع هذه الجماعات الإرهابية، ومثل هذه الحروب لا يتم الانتصار فيها ميدانيا فقط، بل يجب أن تبدأ الحرب بالانتصار الفكري، فلمحة واحدة على شبكات التواصل الاجتماعي أو ما يتهامس به الناس في مجالسهم تكشف لنا أن هناك طابورا متطرفا يعيش بيننا. والسؤال: كيف سنواجه الإرهاب الذي يعيش في فكر الناس قبل أن نصحو لنجد أن فرانشايز الإرهاب افتتح متجرا في شارعنا؟