ها نحن يا فلسطين، نجهز لأعيادنا احتفالاتها، وندع مسيرة الحياة تمضي، دون أن نربكها ببكائك أو نترك عليها أثرا لنقطة دم تروي قهرك منذ سنين. نُخبئ وجوهنا عن أعين مكلومة اليوم في غزة؛ كيلا تقض سكينة وجعنا
حاولت كثيرا يا فلسطين أن أكون كالماسح الضوئي خلال الفترة الماضية؛ لأجمع وأفهم ما يدور حولك منذ سنين، أحلل وأمنطق وأُشرع الأسئلة التي تعود حيرى. ولكن كل هذا يتلاشى أمام جبروتك وعظمة مكانتك ومحبتك في أنفس الكثير بالرغم أننا لم نذق ماءك ولم نستنشق زهر برتقالك ولا تعفرت وجوهنا بطينك وأحضانك، فكيف من حصل له كل هذا؟! سأكتب لك كالجميع، ليس شيئا بائسا يائسا كمنزل مهجور ولا طيبا شامخا كأنتِ، بل شيئا يشبهني في عجزه وأمله.
استريحي قليلا على كرسي رسالتي هذه لأحكي لك متى وكيف سمعت فيها اسمك أول مرة قبل أكثر من ربع قرن من اليوم، كنت طفلة تتعثر في سنين عمرها الأولى أنتظر دوري لأمسك جريدة صفحتها الأولى خضراء لأحاكي أدوار الكبار. يحين دوري بعد غصة رأيتها على ملامح أحدهم ساخطا ملقيا الصحيفة أرضا شاتما: اليهود الملاعين فيشاركني قراءتها طفل بيروتي -عيناه هو الآخر خضراء- ويشير لصورة الرئيس ياسر عرفات في رأس الصفحة ويقول: هذا رئيس فلسطين، واليهود احتلوها ليجيب عن حيرة قرأها في وجهي عن سبب الشتيمة التي يبدو أنها حيلتنا الوحيدة.
أعلم أنه من المخجل أن ألتقط اسمك من بين شفتي الأسى هكذا، ولكن الذي جعلك أيقونة بطولة في عيني لاحقا ما كان يدور من قصص بطولية على ألسنة الكبار أنفسهم، عن أطفال الحجارة ورجال ونساء يقاومون المحتل بكل بسالة وزهد في الحياة. يأتي صوت غائر من جرح التاريخ يحكي عن قصة رجل من عسير خرج مع غيره متطوعا حينما حدث الانتداب البريطاني وهبت الجيوش العربية منتفضة ضد قرار تقسيمك لشطرين يسكن أحده اليهود، وإعلان الصهاينة وقتها أرضك دولة لهم عام 1948.
لم يكن هذا الفلاح البسيط يعلم أن أقداره ستسوقه مقاتلا في محاولات عربية وعالمية لاستعادة ما اغتصب من أرضك، فقد كان يخرج كل صباح يرعى قطيع ماشيته أو يعمل في حقله يهادي نسائم جبال السودة وأودية تهامة برخيم غنائه وبأس خطواته وينام لا يحمل هما سوى قوت يومه التالي. حتى أجاب نداء الكرامة و العروبة ووجد نفسه يخضع لتدريب مكثف وسريع في مدينة الطائف التي انتقل منها لجدة ليركب البواخر ويرى البحر لأول مرة في طريقه جنديا مع الجيوش العربية لجنة أرضك الموعودة.
عاد بعد تلك التفاصيل التي تشكلت تجاعيدا احتلت وجهك الوضّاء، يحدث أبناءه وأحفاده من بعدها عن حيفا ويافا ونابلس وجينين ويعلق الآمال على من تذوب حكايات احتلالك نكبة وخيبة في صوته أن يحرروك من سلطة الغاصب الغشيم يوما، لا يعلم أنه -وبعد 64 عاما- مازال المحتل الصهيوني يمزق جسدك بصواريخه وأسواره ومستوطناته وقذارة خطواته. ونحن نحيك لك الأمنيات والوعود والدعوات من خلف شاشاتنا. ننهض كل صباح نخلع نعاسنا وننفض أحلامنا ونرتدي التعب في دروب حياتنا ونرسل لك حلما، إن تذكرناكِ، حلما أبيضا باسما كصباح الأطفال في أخيلة قصصهم، ثم نجعله دعاء يلهب القلوب ونحن نرى القوم يأتمرون عليك ليستحيل شتائما وسبابا وتخوينا لبعضنا البعض نداري به سوءة عجزنا عن نصرتك.
أعلم يا فلسطين أن الأرض المسلوبة لا تعود بغلي عاطفة ناضجة في إناء يفيض بحبك، ولكن السياسة، بكامل زيفها ولؤمها وأجندتها النفعية، لا تعنيني في رسالتي هذه لك، ولا تهتم أو تبالي -مثلنا- بمشاهد الجثث المحترقة والمنازل المهدمة ودموع وغبن مواطنيك، بل إن رؤيتها منذ أن سمعت اسم اليهود قبل ثلاثين عاما أصبح سهلا، متوفرا، فرضا علينا كالصلوات الخمس! ولكنها حيلة العاجز أن يكتب ويودع الرسائل سرا في صناديق الغائبين، وأنت غائبة عن الفرح منذ أول مؤامرة استباحت حرمتك حتى آخر شهيد ضرج أرضك بطهر دمه.
ها نحن يا فلسطين نجهز لأعيادنا احتفالاتها، وندع مسيرة الحياة تمضي في أيامنا، دون أن نربكها ببكائك أو نترك عليها أثرا لنقطة دم تروي قهرك منذ سنين. نُخبئ وجوهنا عن أعين مكلومة اليوم في غزة كيلا تقض سكينة وجعنا، ونعطي للغاصب والمناوش أسبابهم وما نفتأ نقسم أنفسنا أيضا لمتصهين ومناضل خلف شاشته الذكية. ننام بعدها لنستيقظ فزعين، نتأكد أن رؤوسنا ما زالت مثبتة بإحكام بين أكتافنا، وأن عدد أضلعنا وأصابعنا لم ينقص لنكمل ما بدأناه من استرزاق بقضيتك وجرحك ونحن لا نملك سبيلا لنصرتها ودوائها إلا الكلام. وتمضي الأيام وأنتِ في انتظار نصر لا يأتي إلا من عند الله وقدرته ونحن المسلمون والعرب نجمع الجثث – جثث انتصاراتنا الزائفة، خيبتنا وحيرتنا وخذلاننا – ونخضعها لتلك الضرورة الاجتماعية (ضرورة الدفن) حتى لا تفوح رائحة الجثث. إنني خجلة يا فلسطين ونحن البشر حينما نخجل نتوارى خلف صمتنا لسنا مثلك أيتها الأرض حينما تخجل تهتز وتنبت كروما وعرائش ونساء رجال ينزعون عنها خجلها بدمائهم. لا تثريب عليك يا فلسطين، لا تثريب على مبادئنا ولا أمتنا التي ستبقى مشنوقة على أمل قديم بنصرة الإنسان على أرضك في نصر عظيم.