في كل حرب حديثة بين العرب وإسرائيل، نجد أن هناك ثلاث ساحات يحتدم فيها الصراع، لكل منها لغتها وشروطها ومواصفاتها.
الأولى منها: هي تلك التي تكون على الأرض العربية، التي يموت فيها أطفال ونساء وشيوخ من الطرف العربي، وبعض من الإسرائيليين الجنود، وحالات قليلة من المدنيين.
وفي الثانية: تلك التي يتصارع فيها السياسيون ما بين المناورة من جهة والتصريحات الإعلامية من جهة أخرى، وبعض من الانتصار السياسي لهذا الطرف أو ذاك.
والثالثة: يتمحور فيها الصراع الإلكتروني بين محاربين افتراضيين، يرتكز الجهد العربي فيها ما بين مناهض للعدوان الإسرائيلي، وما بين أكثرية للأسف تعمل على تصفية حساباتها مع العربي الآخر، فتظهر حملات التشويه لذلك المغرد أو ذلك الزعيم أو تلك الدولة من منطلق أنهم متصهينون أو عملاء أو أدوات في يد الغرب، فيصبح كل جهد هؤلاء هو الفوز بتخوين العربي المختلف الآخر.
لا يمكن النظر للحرب الإلكترونية في منصات التواصل الاجتماعي اليوم بخصوص ما يحدث في غزة، إلا باعتباره جزءا أصيلا من الحرب العربية ـ العربية، حول سياسة مع أو ضد الإخوان المسلمين، فنجد المناهض لتلك الجماعة منكبا على الهجوم على حركة حماس باعتبارها أساس الإشكال والمسبب له، والحارس غير الأمين على مصالح أهل غزة المساكين، في حين يجد المتحمسون للخط الإخواني أن كل من يقف ضد توجهاتهم السياسية والعسكرية هو خائن للقضية، وكأن القضية لا مخلص لها إلا حركة ثورية تنادي من عقود بأنها الأقدر على تحرير شعبها من الاحتلال، وهي التي لم تتمكن من تحقيق تحرير ولو شبر عربي واحد بالسلاح، فكل ما قاموا به لعقود هو إشعال الحروب التكتيكية عديمة الجدوى في المسعى العربي لتحرير فلسطين ولو جزئيا.
كيف نستطيع تحرير فلسطين ونحن العرب لم نتمكن من تحرير أنفسنا مع الفجور في الخصومة فيما بيننا؟، كيف نستطيع أن نعيد الأرض المغتصبة ونحن لا نستطيع تقرير مصير أي جزء من بلادنا العربية ما لم تكن ضمن اتفاق دولي مع أطراف غربية وإقليمية؟، وكيف يمكننا تحقيق أي إنجاز حقيقي وكل همنا في نقاشاتنا هو توجيه التهم للعربي بأنه باع القضية؟، فإن كان قد باعها بحق ذلك العربي فلم لم يشتريها ذلك العربي الآخر، و يحرر ولو بيتا واحدا من سيطرة محتل ومستوطن؟!