لا بد أن نعترف أن من أكثر تحديات هذا الزمن، هو القدرة على التمسك بالقناعات والمبادئ الشخصية، لا لأننا متقلبون، أو لأننا لا نعي ما نريد، بل لأن الحقائق التي تحيطنا والمرتبطة بشكل أو بآخر بتكوين تلك القناعات تتغير بشكل مستمر، كاشفة لنا عن أمور ربما كانت غائبة، أو مصححة لمفاهيم لم نكن نفهمها بالشكل الصحيح، إلا أن المكابرة التي تتملك الأنا تمنعنا كثيرا من التصريح بتغير تلك القناعات خوفا من النقد، أو من الانتقاص، أو من الانتقام.
تغيير القناعات في عصر أصبحت المعلومات متاحة ومتدفقة بشكل دائم، ومن مصادر متعددة، خاصة تلك التي كانت مغيبة لعقود بسبب الرقابة، أو محدودية القنوات، كشف لنا ـ أيضا ـ أن سطوة المصالح في كثير من الأحيان هي التي تجعلنا نؤجل إعلان مواقفنا أو تدفعنا نحو إعلانها، ولا أقصد هنا تبني مواقف تتعارض مع قناعاتنا، بل فقط التعامل بسياسة ودبلوماسية مع تلك المواقف التي نراها تمثل أو تتناقض مع ما نؤمن به.
عندما يكون الفرد في موقع المتحرر من أي ارتباطات أو حدود أو موانع مصلحية أو شخصية، ستجده ـ في الغالب ـ صريحا لدرجة الفجاجة في قول ما يراه، فهو لن يخسر شيئا، بل ربما يحقق شيئا من فجاجته، خاصة في تلك المجتمعات التي اعتادت على إسكات الأصوات المزعجة بالتعامل معها عبر احتوائها بمنصب أو بمال، أو بمجرد إيهامها بأن رأيها مهم، فتجدها تتحول من الصوت المتحرر ولا أقول الحر، إلى الصوت الدبلوماسي الذي يوازن المواقف خوفا من تجاوز حدود خلقتها المصلحة.
أتذكر قصة شخصية برلمانية عربية؛ هذا الرجل نادى كثيرا عندما كان يكتب في الصحف ويدرس في الجامعة بحق الإعلام في التعبير عن انتقادات الشارع للعمل التشريعي في بلاده، وعندما منح شرف تمثيل الشعب، كان أول ما نادى به هو محاسبة فنانين مشهورين، ومنعهما من التمثيل، وبث أعمالهما التخريبية، فقط لأنهما قاما بانتقاد العمل البرلماني في أعمالهم الفنية.
إدارة المواقف الشخصية كما أحب أن أسميها، تعد سمة في كل واحد منا اعترف من اعترف وكابر من كابر، فلن يغير ذلك الحقيقة، فهناك من يسكت؛ لأن والدته تخاف عليه من المساءلة، وهناك من يخاف من مديره، وهناك من يخاف على تجارته، وهناك من يخاف على علاقاته،
ولكن يبقى السؤال: هل هذا يعني أننا مجتمع دون مبادئ
ومواقف إلا فيما لا يتعارض مع مصالحنا الشخصية؟ مجرد سؤال.