حل القضية الفلسطينية سيكون سبباً مفصلياً في المساعدة على استقرار المنطقة، ويحول دون مزيد من التطورات التي تشهدها، ويجعل الولايات المتحدة ذات مصداقية فيما تقوله وتفعله
هل سألنا أنفسنا هذا السؤال؟ هل عرفنا الأسباب؟ أظن أننا من الذكاء أن نعرف الأسباب ونتعامل معها بحزم وقوة، وأظننا حتى وإن افترضنا أن هناك مؤامرات علينا أن تمر تلك المؤمرات لتحدث فينا ما أحدثت، وأظننا من الذكاء أن نوقف هذا الاضطراب في عالمنا العربي والإسلامي، لا بد أن يكون هناك عقلاء وأذكياء وخبراء استراتيجيون يوقفون هذا الاضطراب في العالمين العربي والإسلامي، مهما قال القائلون ومهما حلل المحللون أرى أن الذي يجري في عالمينا العربي والإسلامي ليس مصادفة، بل موجه توجيهاً متعمداً بأدوات ذكية وتخطيط محكم، أقل ما يمكن أن نورد من الأدلة أننا في الصيف بدلنا وجهتنا من لبنان وسورية وتونس وبقية الدول العربية إلى الغرب، تلك الديار المستقرة، السؤال الذي عنونت به مقالي هذا، سؤال مهم وكبير ليس الهدف منه أن يضطرب الغرب كما يضطرب عالمنا العربي، ولكن أن نستقر كما هو مستقر.
كانت المشكلة الأزلية في عالمنا هي مشكلة فلسطين واتضح أن استمرارها وتفاقمها هو بسبب سياسات الغرب المتحيزة والداعمة للمحتل ومساعدته في الضرب بكل الأعراف والقوانين والقرارات عرض الحائط والاستمرار في ممارسة عدوانه.
واتضح أيضا أن الحل هو أن يمارس الغرب سياسات عادلة تجاه الفريقين في المنطقة ويدفع بهذه السياسات بقوة، وإذا لم يتم ذلك فستبقى الأمور كما هي.
فمع آخر عقد من الألفية الثانية وأثناء العقد الأول من الألفية الثالثة أخذت الأزمات في عالمنا أبعاداً جديدة زادت من اللهب المشتعل في منطقتنا، وتمثلت تلك الأحداث في غزو الكويت ثم ما تبعه من تبعات أدت إلى ما نراه في العراق، ثم أفغانستان وباكستان، وفي بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة أخذت الأزمات في منطقتنا منحى آخر تمثل فيما نراه في سورية ولبنان وتونس ومصر واليمن وليبيا.
كل ذلك سيجعل من عالمنا عالماً ملتهباً مضطرباً نخشى أن يتسبب استمراره في فقدان أمننا واستقرارنا والحفاظ على مكتسباتنا كعرب، فتلك الاضطرابات هدمت كل ما تم بناؤه في عقود، وماذا؟ والغرب ليس فقط مستقرا بل المستفيد الأول من عقود السلاح الذي يتم الاقتتال به، ومن عقود البناء التي يتم إبرامها بعد الهدم الذي يتم جراء الاقتتال والحروب الدائرة في عالمينا، فاستمرار الاضطرابات سيؤدي إلى رجوعنا للوراء عهودا عديدة لا سمح الله.
الأمر في غاية الجدية وغاية الخطورة، ولا بد من وضع آلية لعلاج أسباب هذا الاضطراب الذي يشهده عالمنا وكيف الخلاص منه، كي ينعم عالمنا بالاستقرار الذي ينشده ويستحقه.
الغرب ليس عادلاً لأنه يتعامل بمقياسين مختلفين، وذلك واضح من خلال التعامل مع القضية الفلسطينية خلال عشرات السنين السابقة، وقد لاحظنا أيضاً ذلك جلياً خلال تغطية المحطات والمراسلين الغربيين لأحداث غزة الأخيرة.
حل القضية الفلسطينية سيكون سبباً مفصلياً في المساعدة على استقرار المنطقة، ويحول دون مزيد من التطورات التي تشهدها، ويعمل على عدم تفاقم الأمور، ويجعل الولايات المتحدة ذات مصداقية فيما تقوله وتعمله، وقبل ذلك لا بد من حلحلة ما يجري بين القطبين الفلسطينيين أولاً ثم يتبعها اتخاذ سياسات محددة وحازمة تجاه الانحياز في السياسات المنتهجة في هذه القضية. إذا لم يتم العمل على الوصول إلى حل عاجل لهذه القضية الأزلية ستختلط الأوراق، وسندخل مرحلة أزمات كثيرة واحدة بعد أخرى. فما مشكلة العراق وأفغانستان إلا نتاج هذه القضية، وكلها كان العامل المشترك فيها الولايات المتحدة الأميركية وسياساتها المنحازة. فالواضح من خلال استمرار الاضطرابات لهذه السنوات الطويلة أن السياسات المطبقة في هذه الأجزاء من عالمنا لم يثبت نجاحها ومئات الآلاف من المسلمين يقتلون في هذه البقع من عالمنا.
كانت بداية غزو العراق بسبب وجود أسلحة دمار شامل، ولم توجد، وتطبيق الديموقراطية لم يتحقق، وتقديم خدمات الصحة والتعليم والكهرباء لم يتم شيء منه.
وفي أفغانستان ورغم مرور وقت طويل إلا أنه لم يتحقق الاستقرار ولا الأمن ولا الخدمات، ولم يلمس المواطن في تلك البقع من العالم ما كان يتوقعه من عدالة وأمن وخدمات بل تدمير وتقتيل لعشرات الآلاف، وتستمر الاضطرابات ويستمر التقتيل وتستمر السياسات.
إن بلداً يدعي الحرية والديموقراطية والعدالة يجب أن يتوقف قليلاً عند ما يسميه الحرب على الإرهاب، إذ بسبب سياساته ازداد الإرهاب والشواهد على ذلك كثيرة، والمطلوب منه انتهاج وتكريس سياسات مبنية على الحوار وتكريس العدالة والعمل على ما يضمن تقديم الخدمات التي ترتقي بمستويات الشعوب للوصول إلى قلوب الناس ومحبتهم له بدلاً من سياسات تزرع الكراهية والبغضاء تجاههم.
صحيح أن السبب فيما يجري في بعض بلدان العالم العربي اليوم بسبب البطالة وفقدان الحرية والشفافية، وانتشار الفساد، لكن الأمور الآن أخذت مناحي أخرى ولا بد من التدخل ومساعدة القوى المعتدلة البناءة المحبة للسلام والعدل والتسامح لتكون هي المسيطرة، اتخاذ سياسات تساعد تلك الدول على القضاء على مشكلاتها سوف يضمن الاستقرار، ويضمن الأمن، ويضمن عدم تفاقم الأمور، ويحول دون اختلاط الأوراق وتفاقم الأمور وتعقدها.
سياسات الغرب وربما خططها الخفية لها دور فيما يحدث في عالمنا ولنا دور أيضاً، والأفضل لكلا الطرفين إعادة الحسابات وإقرار سياسات عادلة تكرس القيم العالمية التي نؤمن بها جميعاً.
وخلاصة القول أن مناقشة هذه الأمور لم تعد ترفاً بل ضرورة، فعالمنا ملتهب مضطرب، لا بد من تكريس الجهود ومضاعفتها وجعل هذا الأمر من الأولويات للبحث عن مخارج لعالمينا العربي والإسلامي ومواجهة الغرب بهذه المشكلات بحزم للجدية في الوصول إلى حلول قائمة على العدل والاحترام، والوصول إلى السلام والاستقرار، ونسأل الغرب في سياساته المنحازة: ألا يكفي ما جرى خلال عقود؟ ألا يستحق عالمانا العربي والإسلامي أن ينعم بالأمن والاستقرار كما ينعم هو؟ ألم يحن الوقت لكي ينتهج سياسات قائمة على العدل واحترام الشعوب لمنع تفاقم الأمور ووصولها إلى ما لا نريده لمزيد من الاستقرار؟