التغيير يصعب تقييده في مخرج واحد أو اقتراح وحيد، ولكنه يتفق على أن هناك عاملا واحدا حتميا يدور حوله؛ وهو إعادة الاعتبار للإسلام الموسوم ظلما بالإرهاب، وإعادة تصديره للعالم بالصورة الحقيقية التي جاء بها
في أحد برامج الإفتاء التي عرضت الأسبوع الماضي في التلفزيون السعودي في قناته الأولى، علق الشيخ عبدالله المنيع، عضو هيئة كبار العلماء، في معرض حديثه بالبرنامج على كلمة الملك عبدالله بن عبدالعزيز –حفظه الله- التي وجهها لعلماء الدين والمشايخ وكانت ضمن ثلاثة خطابات قدمها خادم الحرمين الشريفين خلال الأسابيع المنصرمة: الأولى في عيد الفطر المبارك، والثانية خطاب للأمتين العربية والإسلامية والمجتمع الدولي، والثالثة في مجلسه الخاص بحضور عدد من المشايخ في نفس يوم خطابه الثاني، علق الشيخ عبدالله المنيع معترفا وقائلا: مليكنا - حفظه الله - تحدث إلينا وذكر أننا في حال من التقصير وفي حال من الكسل، والواقع أن ما تفضل به هو عين الحقيقة، ونحن نعترف بذلك. وأضاف: نأمل من سماحة المفتي الذي هو مرجع لنا أن يزيل عنا معشر إخوانه هذا الكسل وهذا الفتور وهذا التخلف، فنحن في حاجة إلى توجيه وإلى تبصير وإلى توعية وإلى بيان وأن يكون لديه من النشاط ومن الشعور بمسؤوليته ما يزيل عنا هذا الكسل.
كان حديث خادم الحرمين يشوبه حرقة وعتب ظاهرين وموجهين لعلماء الدين الذين وصفهم بالكسل في الاجتهاد لما يعزز أمن هذا الوطن والصمت عن أمور كثيرة يعلمها هو ويعلمها أعضاء هيئة كبار العلماء، صمت أسهم في تفشي التطرف بين أعداد كبيرة من أبنائنا وسيطر على مجتمعنا ومؤسساتنا وقاد عددا منهم لمجازر الإرهاب خارج البلاد، والتطرف بلا شك وقود الإرهاب. هذا الخطاب الموجه للمشايخ بشكل خاص وبطريقة معلنة تعزيز لمكانة علمائنا في تأسيس هذا الكيان منذ الحلف الذي كان بين المؤسس الأول للدولة السعودية الإمام محمد بن سعود والشيخ المجدد محمد بن عبدالوهاب -رحمهما الله- في عام 1744، وما تبعه مع الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- والذي وضع العلماء في خطاب شهير له فوق الرأس ما لم يميلوا ويسقطوا عنه.
الإسلام في مجتمعنا السعودي ليس بطارئ ولا جديد على أنفس ناسه المتدينة بالفطرة منذ عهد آبائهم وأجدادهم، ودور العلماء منذ العهود السالفة يأتي توضيحا لما أشكل فهمه على العامة من أموره، وإسهاما في تحبيب التدين للأنفس، وحفاظا على الهوية العامة لهذه البلاد بتسيدها المعروف أمام العالم في تمثيل الدين الإسلامي، ومكانتها الكبيرة في قلوب المسلمين في كل مكان؛ لوجود الحرمين الشريفين، وتاريخها العريق في السيرة النبوية الكريمة. ولهذا يأتي دور هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية كبيرا وعظيما، ليس في أنفس السعوديين فقط بل في أنفس المسلمين كافة، إن حسن دوره.
تعويل الشيخ الفاضل عبدالله المنيع على سماحة المفتي رئيس هيئة كبار العلماء كمرجع للمشايخ في السعودية في بدء التحرك ونفض الكسل والفتور عن أعضاء الهيئة يحمل بنظري صورة إيجابية وأخرى سلبية، فإيجابياتها تكمن في التأكيد على أن هيئة كبار العلماء مؤسسة حكومية كغيرها في البلد لها رئيس وأعضاء ويترتب عليها عمل مؤسساتي ينبغي أن يسهم في التطور الحضاري والتنموي والاجتماعي للوطن، ويعزز الأمن الوطني. وكمؤسسة دينية فلها قيمها الثابتة واعتباراتها المختلفة التي تنطلق من مصادرها الأصيلة (القرآن والسنة). أما سلبية تصريح المنيع فإنه كعضو في هذه المؤسسة ينبغي أن يتحلى –وجميع الأعضاء- بروح المبادرة والانطلاق نحو فضاء التغيير والتخلف الذي اعترف به بما يحقق النهوض ونفض الكسل.
إن عتاب الملك لعلماء الدين واعتراف المشايخ بهذا القصور وتأييدهم المباشر لما جاء في كلمته لهم ومبادرتهم للإشادة بالعتب الذي لحق بهم، مع الواقع المعاش الذي نراه من انحسار للوسطية التي جاء بها الدين الإسلامي وانتشار للإرهاب باسم الدين، يوضح دون تأكيد من أحد أن الشرخ كبير والخلل عميق يحتاج لتدارك وتحرك عملي، بعيدا عن التنظير والعمل المرتجل غير المنظم من هذه الهيئة دون الاكتفاء بالخطب المنبرية واجتهادات المتحمسين أو البقاء في لغة الخطاب الوعظي القديم والمنفر. الإسلام رسالة حب وسلام ومشيئة الله أن جعله ختام الأديان لأنه يتسع لكافة الأزمان والأمكنة، ولكن تضييق تفسير وتأويل النصوص ومحدودية التفكير التي اتسم بها بعض ممثليه من الوعاظ والمفوهين التي جعلت النشء المتحمس ينساق لمعاقل الإرهاب أدت لهذا الواقع الذي نراه من سفك للدماء وقهر للإنسانية تحت راية لا إله إلا الله.
التغيير الذي يحتاجه العلماء يحتاج مبادرة كبيرة وشجاعة كافية تضاهي شجاعة الاعتراف، والتوسع في استقطاب خبرات شابة ومرنة في التعامل مع معطيات العصر الحديث وتحدياته مع الأخذ بالاعتبار لنظرية علماء الاجتماع في الحتميات، باعتبار الدين أساسا لهذا المجتمع تقوم عليه حياتهم وتنطلق منه دولتهم، فالتغيير يصعب تقييده في مخرج واحد أو اقتراح وحيد، ولكنه يتفق على أن هناك عاملا واحدا حتميا يدور حوله؛ وهو إعادة الاعتبار للإسلام الموسوم ظلما بالإرهاب، وإعادة تصديره للعالم بالصورة الحقيقية التي جاء بها, مع الأخذ في الاعتبار العوامل المعوقة لهذا التغيير وأهمها –حسب أسس علماء الاجتماع- عزلة المجتمع التي تكرس التخلف وتؤدي للإقصاء والنفور من العالم المتسارع في تقدمه وتطوره.