أتمنى أن نعيد لبيوت الله شيئا من رونقها ومكانتها كما كانت في حضارتنا العتيدة، إنها ليست بيوت عبادة فقط تهتم بتطهير الأرواح وتهذيبها وشحذها بالخير والهدى، بل إنها أيضا بيوت علم وثقافة وأدب
نشرت المجلة الصحية لشرق المتوسط التابعة لمنظمة الصحة العالمية في عدد يوليو لهذا العام، تقريرا عن النشاط الرياضي، وجاء فيه عدد من الأرقام المفجعة ولا أريد من ذكرها مجرد رفع الصوت بمقالة بكائية، إذ سأوضح لاحقا قصدي من هذا، أقول لعل أكثر هذه الأرقام رعبا هو أن نسبة الخمول وغياب النشاط الرياضي التي بلغت في بعض دول شرق المتوسط (ونحن منها) 70? في حين أن النسبة العالمية للخمول هي31?! وتشكل نسبة النساء الخاملات في دول شرق المتوسط الأعلى من بين جميع مناطق المنظمة العالمية! جدير بالذكر ـ حسب التقريرـ أن الخمول هو عامل محفز لجميع الأمراض غير الوبائية كالسكر والضغط والقلب، وللموت المبكر (يقصد به الموت بداع مرضي غير وبائي في سن صغيرة، مقارنة بمعدل أعمار مجتمع ما) وللإعاقة الدائمة، والخمول مسؤول عن 3.2 ملايين حالة وفاة عالميا في كل سنة! والخمول مسؤول تقريبا عن 27? من حالات السكر، و30? من حالات أمراض وجلطات القلب، و21- 25? من حتى حالات أورام (نعم أورام) الثدي والقولون! كانت هذه مقدمة التقرير الذي ناقش ضرورة عمل برامج عملية لمقاومة الخمول وتشجيع الحركة، واستعرض المجهودات المبذولة في هذا المجال.
ليست هذه الأرقام من باب البكاء على حالنا والوقوف كسالى في ميدان مقاومة خمول العقل والبدن، لأن هناك بوادر إيجابية كثيرة في مجتمعنا علينا أن نعلي أمرها ونشجعها وندعمها بمزيد من المشاريع، هناك أمر ملاحظ حقيقة ألا وهو سعي كثيرين منا، رجالا ونساء، إلى مقاومة هذا الخمول والبدء في نشاط حركي رياضي سواء أكان مشيا أم هرولة أو اشتراكا في أندية رياضية والانخراط في حصص تدريبية.
إن الانطباع والتصور الذاتي عن أنفسنا كمجتمع يجب أن يتحسنا، يجب أن يرتقيا، يجب أن نكف عن جلد ذواتنا وندب حظنا، يجب أن نمتنع عن اللهث وراء أخطائنا وعيوبنا في ملعب الكسل والخمول والتخلف، فهل صحيح مثلا ما أشعناه عن أنفسنا من أن (أمة اقرأ لا تقرأ)؟ أبدا، ليس صحيحا، كما يذكر الدكتور عثمان الصيني في تقديمه لدراسة رصينة عن (اتجاهات القراءة الحرة في المملكة العربية السعودية) المنشور عام 2012 من ضمن منشورات المجلة العربية مع تقريظ معالي وزير الثقافة والإعلام، إذ تم تطبيق الدراسة على عينة قوامها 10 آلاف فرد، ووزعت على كافة مناطق المملكة، وخلصت إلى أن 78? من إجمالي العينة (وليس بحسب ما ذكرت الدراسة أن 78? من المجتمع السعودي، فالدقة مطلوبة عند النشر العلمي المحكم ولا يقلل هذا من قيمة الدراسة بأي حال) يمارس القراءة الحرة وهي نسبة عالية ولا شك، بل إن نصف العينة تمارس القراءة الحرة باستمرار على نحو يجعل منها عادة لديهم، وخلصت الدراسة إلى أن أفراد المجتمع السعودي (والأدق أنه من تم جمع وتحليل بياناتهم) يحملون اتجاهات إيجابية واضحة نحو القراءة، حيث يرون أنفسهم يستفيدون مما يقرؤون في حياتهم، وأن القراءة تزودهم بمعلومات كثيرة، وتكسبهم أيضا مكانة بين الأصدقاء، وأن القراءة الحرة ضرورية للتفوق الدراسي، أرأيتم كيف يجب أن نحسن انطباعنا عن أنفسنا؟! ولا يفهم من كلامي التغافل عن مشاكلنا وعيوبنا، ولكن أقصد كفانا بكاء، ولنحسن نظرتنا عن أنفسنا، ولنمض بوعي جمعي في دروب البناء والتنمية والحضارة.
مما استوقفني في هذه الدراسة مما له علاقة بهذا المقال، هي الأماكن المفضلة للقراءة لدى العينة موضع الدراسة، إذ أتى المنزل في المرتبة الأولى كأفضل مكان لممارسة القراءة الحرة، يليه في الأفضلية المدرسة، فالمكتبات العامة، ثم يأتي المقهى في المرتبة الرابعة، سؤال: كم هو عدد المكتبات العامة في بلادنا؟ ما هو وضعها؟ ما هي استعداداتها وخدماتها؟ هل هناك مكتبة عامة لكل حي كبير؟ تذكر الدراسة أن عدد المكتبات العامة في المملكة هو 112 مكتبة عامة، وهو عدد قليل مقارنة ببلدان ودول أخرى لا تتوفر لها قدرات المملكة ومواردها (حسب التعليق الوارد في الدراسة).
معطيات كثيرة قدمتها الدراسة للبدء في مشروع وطني تتضافر فيه كافة الجهود وتتكامل، لأن القراءة الحرة -وهذا حق- موضوع مجتمعي وشأن ثقافي أوسع من أن يختزل في مجرد قضية أو موضوع تعليمي، إنها مسؤولية تضامنية عند طرح أية استراتيجية للمستقبل.
هذه دراسة رائعة، بل إن المراجعات العلمية التي جاءت في الفصلين الثاني والثالث تمثل متعة حقيقية للقراءة، وأتفق مع تعليق الدراسة أنها قدمت وصفا دقيقا، لكن ليس بالضرورة تشخيصا متكاملا لواقع القراءة الحرة في المملكة، لأن الدراسة مبنية على استبانة (وأكتب هنا من خلفية أكاديمية في الطب والتعليم الطبي) وأول ما يتم طرحه هو مدى دقة تكرارية المعلومات التي تم جمعها؟ لأن الدراسات المبنية على الاستبيانات تتأثر كثيرا بأن كل فرد يجيب على الاستبانة من وجهة نظره الشخصية المبنية على فهمه ودرجة تعلمه، ويأتي سؤال آخر هو: هل تمت دراسة أولية لفحص مصداقية الأسئلة؟ بمعنى هل أن هذه الأسئلة تقيس ما أريد لها أن تقيس؟
الأمر الآخر هو أن هناك توجها عالميا في أدبيات التعليم -الطبي تحديدا- في البعد عن الدراسات المبنية على الاستبيانات، مرة أخرى لا يقلل هذا من شأن الدراسة لأن العينة كبيرة مقارنة بدراسات سابقة عندنا، كما أنها أثارت هما وطنيا استراتيجيا لا خلاف على أهميته القصوى وبالذات في هذه الأيام التي تتصارع فيها الأفكار والهويات ويسقط أصحاب الثقافات السطحية، أصحاب ظاهر العلم دون باطنه، من لم تتأصل فيهم مفاهيم أساسية حول النفس والمجتمع والعالم، ولم يفهموا دينا ولم ينتموا لوطن انتماء صحيحا.
قرأت إعلانا كبيرا بجانب إحدى محطات البنزين وضع في مكان بارز يراه كل من مر بجانبه راكبا أم ماشيا، كل كلمة تحت التالية بترتيب طولي مشابه لهذا كما أتذكره: (بنزين ـ مسجد ـ كوفي شوب ـ بقالة تموين ـ بنشر)، تمنيت لو أعدنا لبيوت الله شيئا من رونقها ومكانتها كما كانت في حضارتنا العتيدة، إنها ليست بيوت عبادة فقط تهتم بتطهير الأرواح وتهذيبها وشحذها بالخير والهدى، بل إنها أيضا بيوت علم وثقافة وأدب، فيها المكتبات وحلقات النقاش والعلم والأدب، العلم الذي لا حد له، العلم الذي يفيد الناس في دينهم ومعاشهم وصحتهم، لقد كانت بيوت الله أيضا للحركة والنشاط، ألم يلعب الحبشة في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ألم تخرج الجيوش من هذه المساجد؟ ألم يطبب الناس في باحاتها؟ لماذا إذاً أضحت مساجدنا مجردة من هذا الدور الاجتماعي الرائد لها على مر تاريخ الحضارة الإسلامية؟ هل سيأتي يوم نرى فيه أمام مبنى كبير رائع منسق جميل -وأركز على الجمال- مكتوب عليه عبارة طولية يراها الراكب والماشي من أهل الحي: (مكتبة عامة ـ ناد رياضي ـ مسجد)؟ وقبل هذا وبعده أتمنى أن تنتشر بيننا ثقافة حفظ المال العام حتى لا نرى هذا الصرح وقد أصبح كأنه رأس شيطان بسبب سوء الاستخدام لتعود سيرة بحيرة المسك من جديد!