في الاتصال الإلكتروني البعيد هناك حاجز هائل بين الأطراف يتمثل في كون كل طرف يدرك أن الطرف الآخر لا يستطيع أن يكون بجانبه بسهولة، ولا يستطيع أن يلجأ إليه إلا لجوءا عاطفيا عن بعد
هل نبالغ حين نتوقع من وسائل الاتصال الاجتماعي أن تكون قنوات التواصل الإنساني؟ بمعنى هل الاتصال عبر هذه الوسائل قادر على أن يعطينا نتائج مقاربة أو مشابهة للتواصل الذي نحصل عليه في التواصل التقليدي؟ أقصد التواصل الفيزيائي المباشر. أي أن تكون مع الشخص في المكان ذات. هذا السؤال يقودنا إلى هذا السؤال: ما هو الفرق بين الاتصال مع الآخرين عبر وسائل التواصل الاجتماعية والاتصال معهم عبر الوجود الفيزيائي المباشر؟ أي ما هو الفرق بين تواصلك مع شخص وأنت موجود معه في المكان ذاته وبين تواصلك معه عبر الهاتف أو سكايب أو فيسبوك؟ هذا السؤال يشغل المغتربين كثيرا. مؤخرا كنت في حديث مطول مع الأصدقاء شايع الوقيان الكاتب بعكاظ وباسم علعالي أستاذ الرياضيات بجامعة فلوريدا ستيت حول هذا السؤال وهنا شيء مما دار في ذلك الحوار.
في البداية نعرف أن التواصل الفيزيائي يعني وجود الأطراف في مكان واحد بينما يشعر أطراف التواصل الإلكتروني بالبعد المكاني. جزء كبير من الحوار كان في محاولة فهم معنى وآثار هذا الفرق. أي ما هو الفرق الذي يُحدثه واقع أن الاتصال يحدث بين أطراف توجد في أماكن مختلفة؟ نقطة جوهرية برزت في الحوار وهي أن الوعي بأن الطرف الآخر معي في المكان ذاته أو في مكان قريب له أثر هائل في شعوري بالأمان. بمعنى أن وجود صديقي معي في المكان ذاته يعطيني شعورا كبيرا بالأمان والطمأنينة فهو قريب وقادر على المساعدة والوقوف معي في وقت الحاجة. في الاتصال الإلكتروني البعيد هناك حاجز هائل بين الأطراف يتمثل في كون كل طرف يدرك أن الطرف الآخر لا يستطيع أن يكون بجانبه بسهولة، لا يستطيع أن يلجأ له إلا لجوءا عاطفيا عن بعد. لنأخذ هذا المثال الذي يمكن أن يوضح لنا الفرق بين الحالتين من خلال هذين المشهدين: الأول صديقتكِ ستتزوج وأنتِ معها في هذه المناسبة بزيارات متعددة ومرافقة في التسوق ولاحقا في حفل الزواج ويدك بيدها. المشهد الثاني صديقتك ستتزوج وأنت ترافقينها بالاتصالات الهاتفية والاتصال المرئي من مكان إقامتك البعيد وترافقينها في كل تفاصيل الزواج. رغم كل التشابه بين المشهدين إلا أن هناك شعورا في المشهد الأول مفقودا في المشهد الثاني، وهو أن صاحبتك تشعر بأمان أكبر فأنت قادرة على فعل أشياء أكثر بمجرد الوجود الفيزيائي معها. الصديق باسم كان مشغولا بسؤال: ماذا يمكن أن نفعل في وسائل الاتصال لنجعلها تسد هذا النقص؟
فرق آخر مرتبط أيضا بعملية الأمان هو أن التواصل الفيزيائي المباشر يعطي الفرد منّا قدرة على رؤية صاحبه في المشهد من أكثر من جهة وليس محصورا بعين واحدة توفرها له كاميرا الاتصال. هنا مثال على هذه القضية: يجري عدد من الجامعات الأميركية اتصالات مرئية مع الطلاب المتقدمين لها للدراسة من الخارج للتأكد من إجادتهم للغة الإنجليزية ومهارات أخرى قبل الموافقة على قبولهم وإعطائهم تأشيرات للدراسة. مع الوقت أدركت الجامعات أن هذا الاتصال لا ينقل الصورة الكاملة! المشهد كالتالي: تكون الكاميرا متوجهة للطالب بينما يوجد حوله عدد من الأشخاص الذين يسمعون المقابلة ويساعدونه في الإجابة. مُجري المقابلة من الطرف الآخر لا يرى كل هذا وبالتالي فهو أمام مشهد مزيف إلى حد كبير. هذا المثال يشرح محدودية قدرة الطرف الآخر في الاتصال الإلكتروني على معرفة الموقف بتفاصيله. في النهاية الطرف الآخر في المكالمة يستقي الجزء الأكبر من معلوماته من خلال الطرف الأول. الاتصال الإلكتروني يعطي كل طرف قدرة أكبر على التحكم في المعلومات التي تصل للطرف الآخر. شفويا هو يقول له ما يريد ومرئيا هو يختار زاوية الاتصال التي يريد كما يختار له الصور أو المقاطع التي يريدها فقط. في المقابل الاتصال الفيزيائي المباشر يعطي كل طرف حرية أكبر في الوصول للمعلومات عن الطرف الآخر. جلوسك مع شخص في مقهى يعطيك فرصة للتعرف على ظروف مكان ووجود هذا الشخص بدون سيطرته على المعلومات. بمعنى أنك تراه بعينك وليس بعينه. هذا الظرف له علاقة جوهرية بقدرة كل شخص على معرفة الشخص الآخر. جزء جوهري من قدرة الفرد على معرفة الآخر أن يرى هذا الآخر في ظروفه الواقعية ويرى تفاعلاته معها. هذا الوضع يتيح لنا أن نرى الإنسان -الطرف الآخر- في تناقضاته، في تفاعلاته التي لم يتحكم فيها، نراه حين تخرج الأمور عن سيطرته، نرى الفرق بين ما يقول وما يفعل. هذه الأبعاد يستطيع الفرد أن يتحكم فيها أكثر إلكترونيا. لذا فإن زملاء العمل للشخص الذي تتابعه في تويتر لديهم قدرة على رؤيته من زوايا لا تستطيع أن تصل أنت إليها. هم يرونه بعيونهم وأنت تراه بعين ركبها هو.
هذه مساحة مهمة تفصل الاتصال الفيزيائي عن الإلكتروني على الأقل حسب ما هو متوفر الآن من تقنية. السؤال هو عن تأثير هذه الفروق على التواصل. نعرف أن التواصل الإنساني لا تضمنه مجرد مشاركة المكان مع الآخرين ولكن هذه المشاركة عامل وشرط جوهري ومؤثر. الاتصال الإلكتروني يوفر مكانا آخر مختلفا، حاولت هذه المقالة ذكر الفرق بين المكانين من جهة أثر كل منهما في توفير تواصل يحدث الأمان، الذي هو أحد دوافع التواصل عند البشر. كذلك قدرة كل مكان على توفير فرصة أكبر لأطراف الاتصال للتعرف على بعضهم البعض. هذا التعرف يحدث بدرجة أعلى حين يصل كل طرف لمعلوماته عن الطرف الآخر بحرية أكبر وبدون إشرافه ومراقبته. كانت هذه المقالة في صالح امتيازات المكان التقليدي على المكان الإلكتروني. ربما تشهد المقالة القادمة الحركة في الاتجاه المعاكس.