كان 'أبو الفواريز' يعترض على محاولة الوصاية على عقل مجتمع هادئ متباين بين قروي وبدوي وحضري، يرى الآخر من باب الرحمة والتسامح وتقدير الحياة البسيطة

الصحوة الثانية لـأبو الفواريز، رعاه الله، لم تبتعد كثيرا عن الصحوة الأولى، بل كانت على مرمى حجر منها، فأصداء تلك الزيارات الأولى لم تزل عالقة في ضميري إلى اليوم، إذ وبعد مرور سنة على المحاولات الأولى للإخوة الممتنعين عن دخول مجلسي، كنت حينها أتأمل كل ما يحدث حولي. في الشارع، في المسجد، في المنازل المجاورة، في المدارس، أشياء كثيرة وكثيرة جدا كانت تعصف برأسي دون أن أجد تفسيرا معقولا لها، وكثيرا ما اصطدمت بما لم يقنعني منهم لا يومها ولا ما بعد يومها إلى حينه، وأتذكر تماما افتتاح أربعة استريوهات لما سمي حينها ـ تعسفا في ظني ـ تسجيلات الشريط الإسلامي، وفي الشوارع تقف عند الإشارة، فتجد من يهاجم هدوءك وانتباهك، قارعا عليك نافذة سيارتك ومناولا إياك مجموعة من الكتيبات والمطويات وبعض أشرطة الكاسيت ملونة الأغطية، التي ما إن تضعها في مسجل السيارة، حتى تسمع لعلعة صوت الداعية الفلاني مؤنبا، ومقرّعا، ومحذرا، ومؤثرا بانفجاراته البكائية حتى لتشعر حينها أنك أكبر المجرمين والمخطئين على وجه البسيطة، وربما ظننت أنك أسوأ المخلوقات قاطبة بأفعالك، وإن لم تكن كما يريد وما يصور لك، وإلا فإنك لن تكون إلا أكبر الساقطين في مستنقعات المجون والخطيئة، وستهوي حتما على أم رأسك في قيعان نار جهنم!
تخيل معي كيف كنت ستخلد إلى النوم بسلام، وقد استمعت إلى كل تلك الخطابات الترهيبية، التي لا تحكي إلا عن العذابات وشناكير النار، وخطاطيفها، وكلاليبها، وصور النساء المعلقات من أعضائهن، وصيحات الرجال المتألمين على طول الطريق إلى الهداية كما زعموا وأكدوا بصلافة!
وذهب بعضهم إلى أبعد من وصف جحيم الآخرة، إذ أتذكر أن أحدهم قد أطلق من على منبر أكبر الجوامع في مدينة أبها، في فترة التسعينات الميلادية، فتاوى التحريم والتحليل، ومختلف الأطروحات الجدلية والقطع بها كالقول؛ إن من يدخل جهاز التلفزيون إلى بيته هو ديوث، وغير أمين على أهله وبنيه، فضلا عن المؤلفات الارتجالية المتخبطة المحاربة تماما لجديد التقنية كالتليفون مثلا!
ثم إنك تجدهم اليوم وبعد أكثر من عشرين عاما، يتنكرون لمقولاتهم المجعجعة تلك، ويتحولون إلى نجوم على شاشات القنوات الفضائية، ومؤلفين لا يشق لهم غبار في غير مجال، ولكن في الاقتباسات والسرقات الأدبية، فعلى أية علم اتكؤوا وأطلقوا فتاواهم المرتبكة الغريبة تلك؟ وعلى أية قواعد فقهية دينية استندوا للقول بها للناس؟!
لقد شكل أمثال أولئك الخطباء النموذج المتصدر للمشهد الدعوي في حينه، وهم الذين لم تتبدل كثيرا لغة خطابهم المتهالك والمكرور إلى يومنا هذا، والمعتمد في مضمونه على دغدغة العواطف، وحماسة الإلقاء وذكائه، لا على دراسات منهجية محايدة، خالية من الإسقاطات الذاتية.
كانت تلك الفلاشات المتلاحقة بعضا من أهم الأحداث المريبة، التي شكلت ملامح صحوة أبو الفواريز الثانية، وأسهمت بشكل كبير في نبذه الفكر الكامن خلفها، وأيقظت في داخله استفهامات عريضة بلا حدود.
معلنا أنه لا اعتراض على نشر الدين وتعاليمه، لكن الاعتراض كل الاعتراض على الأسلوب الهجومي على المجتمع وإنسانه البسيط، وأنه لم يكن لائقا بأي حال من الأحوال رؤيته من باب الاستغفال، فذلك لا يعبر إلا عن انتهازية لا رحمة فيها، على عقل مجتمع هادئ متباين بين قروي وبدوي وحضري، يرى الآخر من باب الرحمة والتسامح وتقدير الحياة البسيطة، ومحاولة السيطرة عليه بأية طريقة، من خلال نشر المؤثرات العاطفية، المستخدمة للدين كوسيلة لتحقيق أهدافها، وذلك ليس عملا نبيلا، وإن كان ظاهره الدعوة إلى الله تعالى، فالله تعالى كان
ومايزال قريبا من كل عباده، وقد صور لنا أولئك القوم أن ربنا غاضب علينا، وأننا نقع على أبعد نقطة منه ومن رحمته.