التعبير والسلوك اللذان نقوم بهما بأسمائنا الصريحة، هما ما يعبران عن واقعنا، بينما تدل تعابيرنا وسلوكياتنا التي نعلنها بأسمائنا المستعارة عن أحلامنا ورغباتنا أكثر مما تعبّر عن واقعنا

من أجمل ما في هذه المقالات عن التواصل، أنها تتحرك من خلال تواصلي مع آخرين. بمعنى أن كل قضايا هذه المقالات ظهرت ضمن حوارات مع أصدقاء. قضايا هذا المقال هي ثمرة حوار مستمر مع الصديق مساعد الحربي. أبو عبدالعزيز يعمل محاضرا في جامعة المجمعة، وهو الآن مبتعث لدراسة الدكتوراه في التربية بالولايات المتحدة الأميركية. في البداية أعاد مساعد الحوار إلى نقطة جوهرية تتعلق بطبيعة الفرق بين الحضور الإلكتروني والحضور المكاني المباشر.
مع دخول الإنترنت إلى الساحة العامة بدأت ظاهرة لا يمكن لأحد تجاهلها، وهي استخدام كثير من الأشخاص لأسماء وهمية يعبرون عن أنفسهم من خلالها. الملاحظة المباشرة أن هؤلاء الناس بدؤوا يعبرون بصدق عن أنفسهم؛ لأنهم تخلصوا من الخوف من الرقابة، وبالتالي أصبحوا أكثر قدرة على قول ما يعتقدونه فعلا. نتج عن هذا ما عبرت عنه مقولة الصديقة في تويتر عميدة الديموقراطيين، إن الحقيقي أصبح هو من يظهر باسم مزيف، والمزيف هو من يظهر باسم حقيقي. في إشارة إلى الشروط القاهرة التي تجبر الناس على قول ما لا يعتقدونه بالضرورة حين يتكلمون للعموم.
مساعد يريد أن يقلب المعادلة، ويعيد التفكير في المقولة السابقة. بالنسبة لمساعد؛ فإن نفاقنا وكذبنا وخوفنا الذي يظهر عند تعبيرنا بالاسم الحقيقي هو حقيقتنا. أي أننا في الحقيقة كائنات خائفة ومنافقة. في المقابل الصراحة التي تظهر مع الأسماء المستعارة ليست إلا صورة مزيفة تخالف الواقع. هنا مساعد يعيد ربط حقيقة الوجود بالمسؤولية المرتبطة بذلك الوجود. بمعنى أن الوجود الحقيقي وبالتالي التعبير الحقيقي هو المرتبط بمعادلة الإنسان الواقعية، وبالمسؤوليات التي تترتب على سلوكه.
التعبير الحقيقي هنا، هو الذي يرتبط فيه القول بالفعل، وليس القول المفصول عن الأفعال الناتجة عنه، من خلال تعويم شخصية القائل.
على مستوى التواصل الخاص بين الناس، يبدو أن هذا الربط بين القول وصاحبه ضروري لتأسيس علاقة تواصل حقيقية. من الصعب إقامة علاقة صداقة أو محبة بين معرّفات مستعارة. اللقاء عبر تلك المعرفات قد يكون هو نقطة التعرّف الأولى، ولكن العلاقة لن تصبح مكتملة إلا حين تنقلها الأسماء الحقيقية إلى شروطها الواقعية. أي إلى الشروط الحياتية المباشرة التي يعيشها أطراف العلاقة.
الاسم الحقيقي هنا يأخذ قيمته من تحقيق هذا الربط. أي أنه الاسم الذي نستدل من خلاله على شبكة العلاقات والظروف التي يعيشها الفرد. حركة الفرد ضمن هذه الشبكة لا خارجها هو ما يعبّر أكثر عن حقيقة هذا الفرد. إذا أردنا الجمع بين مقولة العميدة ومقولة أبي عبدالعزيز، فيمكننا القول إن التعبير والسلوك اللذين نقوم بهما بأسمائنا الصريحة هما ما يعبران عن واقعنا، بينما تدل تعابيرنا وسلوكياتنا التي نعلنها بأسمائنا المستعارة عن أحلامنا ورغباتنا أكثر مما تعبّر عن واقعنا.
هذا الحديث عن التواصل، وأيضا خلال الحوار مع صديقي مساعد أعادني إلى السؤال الأول والجوهري وهو: عم نبحث في التواصل؟ أو ما مواصفات العلاقة التي يمكن أن نصفها حقيقة بعلاقة التواصل؟
شخصيا، حين أفكر في التواصل أفكر في ذلك النوع من الوجود مع الآخرين، الذي ينقلني معهم إلى مستوى علاقة الحوار. يمكننا الحديث عن أفقين وجوديين للعيش مع الآخرين. الأفق الأول: هو المستوى الاستعمالي، والثاني: هو الأفق الحواري. الأفق الاستعمالي: هو ألا يظهر أمامك الآخر إلا كوسيلة تصل من خلالها إلى غاية تريدها. مثال صارخ على ذلك تلك العلاقة التي تجمعك بسائق الأجرة، وتنتهي بنهاية المشوار. أمثلة أقل وضوحا على العلاقات الاستعمالية قد تحدث تحت مسميات زمالة العمل، صداقة، وأحيانا علاقات الزوجية.
في الأفق الاستعمالي لهذه العلاقات ينظر الأطراف إلى بعضهم على أنهم منفذون لأدوار محددة تعرّف مضمون علاقاتهم. الصداقة الاستعمالية مثلا، هي تلك العلاقة التي يبحث فيها أحدنا عن طرف يستعمله كصديق. أي طرف آخر يستعمله كأذن تسمع له، وعقل يفكر معه في قضاياه الخاصة، لكنه ليس مستعدا أن يقوم بذات الدور لصديقه، أي أن يكون هو الموضوع الرئيس الوحيد لتلك الصداقة.
الزوجية التي لا تتجاوز القيام بواجبات وحقوق الزوج والزوجة هي أيضا علاقة استعمال. أي ألا يرى الزوج في زوجته إلا ما يندرج تحت تعريف الزوجة، أما باقي وجودها الإنساني خارج هذا التعريف فهو خارج اهتمامه. في المقابل العلاقة التواصلية أو علاقة الحوار، هي تلك العلاقة التي تبدأ وتعيش من خلال انفتاح الإنسان على الإنسان. من خلال لحظات اللقاء التي تجمع إنسانين على الأقل ليرى كل منهما الآخر لا على أنه آخر يريد استعماله، بل على أنه شريك يريد العيش معه.
الآخر في العلاقة الحوارية لا يمكن حصره في تعريف محدد، بل هو حالة من الشراكة التي تتجدد وتتحقق مع كل لحظات اللقاء. تتأسس هذه العلاقة على ثقة متبادلة وأمان من الاستعمال وإطلاق الأحكام. ذلك الذي يحاورني ليس مستعدا أن يضعني في قالب مع نهاية الحديث. هو لا يتحدث معي ليشخّصني بل ليعرفني أكثر.
ذلك الذي أحاوره أعلم أنه دائما أكبر وأوسع مما أعرفه عنه هذه اللحظة. هذه العلاقة هي في جوهرها علاقة حب، ولكنه حب لا يسعى للتملّك والاستحواذ. هذا الحب يحدث نتيجة لحظة التفاتة صادقة من إنسان لإنسان، ورؤية تفتح أفقا جديدا من العلاقات، كفيل بتحقيق تحوّل نوعي في وجود كل منهما. تحوّل يشبه الفرق بين حالة العاشق قبل الحب وبعده. هذه الالتفاتة وهذه الرؤية كانتا علامتين فارقتين في حواري مع مساعد.. ولعلي أكمل لكم الحديث عنها الأسبوع المقبل.