حينما تباشر المرأة حياتها العملية عليها أن تدرك أنها في موقع مسؤولية والتزام أدبي وقانوني مع الجهة التي تعمل لصالحها وتستفيد منها مهنياً ومادياً، وبالإضافة لالتزاماتها الأسرية ينبغي أن يشاركها زوجها في الحياة، وألا يلقي عليها تبعات الحمل والإنجاب كاملة
كالعادة في بداية كل عام دراسي تعلو أصوات المعلمين والمعلمات وهم يتحدثون عن بعض ما يستحقونه وما يأملون أن يتحقق لهم ويصب في صالح العملية التعليمية، وغالباً ما تخفت الأصوات ثم تتلاشى لأن أحداً لم يلتفت لها أو لأنها رغم كل ضجيجها لم يسمعها أحد. ولكن الصوت في بداية هذا العام كان لغطًا عاليًا مع خبر فاجأ الجانب الناعم من معلمات وإداريات ويتعلق بإيقاف منح إجازة رعاية المولود، وحسب بعض الصحف المحلية فإن المتحدث الرسمي لوزارة التربية والتعليم الأستاذ مبارك العصيمي، أوضح أن خبر إيقاف إجازة رعاية المولود صحيح ولكن لم يصدر بعد تعميم رسمي يخص هذا الشأن.
قد أختلف كثيراً مع بعض قرارات وزارة التربية والتعليم، ولكن مثل هذا الخبر أراه خطوة في طريق صحيح، خاصة أن صاحبته قرارات تنظيمية للإجازات الخاصة بالمعلمة الأم تجعل من قرار الإيقاف إيجابياً أكثر، ويحد من الفوضى التي تواجهها المدارس بداية كل عام دراسي أو أثناءه بسبب الإجازات المبالغ فيها. أعلم أن هذا الرأي المتفِق مع خبر إيقاف إجازة رعاية المولود لن يُرضي أعداداً كبيرة من منسوبات التعليم الذي أنتمي إليه وظيفياً، ولكن حتى نعترض على أمر أو نؤيده، دعونا نلقي نظرة قريبة ومنصفة على حال وواقع العاملات في الميدان.
المعلمة (وكذلك الإدارية والمشرفة) الأم تُمنح إجازة وضع براتب كامل لا تقل عن ستين يوماً وذلك حسب نظام الإجازات في الخدمة المدنية وإذا كان هناك ما يستدعي تمديد الإجازة من عارض صحي للأم أو الطفل فقد تُمدد بتقارير طبية لمدد محدودة ثم تكون ضمن الإجازات المرضية. ويتيح النظام للموظفة تقديم طلب رعاية مولود بالشروط التي تعرفها جميع المعلمات مع استحقاقها لربع الراتب أو الحد الأدنى منه. ولكن هذه الإجازة شكلت عبئًا على سير العملية التعليمية وأصبح التقديم لإجازة رعاية مولود ورقة ضغط قد يشهرها البعض، ممن لسن مضطرات لها، للتخلص من ضغط الجدول الدراسي أو الأعمال المتراكمة.
قبل عدة سنوات، كان مكان طالبة الإجازة الشاغر يُملأ بمعلمة بديلة تؤدي عملها نيابة عنها ثم أُلغي التعويض بالمعلمات البديلات ليقمن الموجودات على رأس العمل بتغطية العجز نيابة عن زميلتهن التي تفرغت لرعاية وليدها. في مثل هذا الموقف تواجه الطالبة (محور العملية التعليمية) مشكلة تغيير المعلمات أو الانتظار حتى تتوفر بديلة مناسبة غالباً ما تكون مستجدة وتحتاج لتدريب وتدرج مسبق، وفي حال انسجام الطالبات مع البديلة المستدعاة تعود المعلمة الأصلية في نهاية الفصل الدراسي وقد تسبب هذه العودة إرباكا للطالبة وسير المنهج وإعداد الاختبارات وتقييم الطالبات، والأهم الاستغناء عن خدمات تلك البديلة. ومع إيقاف التعاقد مع البديلات الذي في توظيفهن الموقت جانب مفيد لهن من اكتساب للخبرة وفائدة مادية، أصبحت المعلمات الموجودات يقمن بملء ثغرة الغياب في حال النصاب المنخفض أو تنتدب معلمة من مدرسة أخرى. وهذا الحل البديل فيه بعض الجوانب السلبية التي لا تخفى على الزميلات المعلمات، فإن كانت من ذات المدرسة سيزداد نصاب حصصها ومناهجها مما يشكل ضغطًا مع نصابها المعتمد، مع العلم أن عمل المعلمة في المدرسة لا يقتصر على التدريس فقط، فهي في الغالب مسؤولة عن نشاط أو أكثر له أعماله وتقاريره وسجلاته ومستلزماته من العمل اللامنهجي بالإضافة لحصص الاحتياط اليومي لسد ثغر حالات الغياب اليومية – الظاهرة السلبية الأخرى الأكثر انتشارًا - والعمل أشبه بحارس أمن أثناء المناوبة الأسبوعية في الإشراف على دخول وانصراف الطالبات وأثناء سير اليوم الدراسي، مع كونها في الغالب رائدة فصل له مسؤولياته الخاصة. ولنا أن نتخيل كم مرة تقف بعض المعلمات كحائط لسد الثغرات خاصة إن كانت غير متزوجة أو لا تُنجب أو ممن تنظم إنجابها واكتفت بطفل أو اثنين. وفي حال التعويض بمعلمة منتدبة، والتي يكون الانتداب فيها بلا مزايا تُذكر، فأكبر عائق يواجه المعلمة هو التنقل من مدرسة لأخرى مع المعاناة الشهيرة من عدم توفر سائق دائم وخاص مع الأغلبية.
لا أُنكر أن سنوات الطفولة الأولى هي الأهم في حياة الطفل والأحوج لبقاء والدته بالقرب منه، وهذا ما ينبغي الانتباه له في حال أرادت وزارة التربية والتعليم أن تضرب عصفورين بحجر، فتعيد ترتيب آلية إجازات المعلمات بالعمل على زيادة عدد أيام إجازة الوضع براتب كامل إلى 180 يوماً كحد أقصى، مع تهيئة متطلبات رعاية الطفولة المبكرة من حاضنات متخصصة ومهيأة للأطفال، مجاورة وملحقة بكل مدرسة، مع تحسين وضع رياض الأطفال والمدارس التمهيدية. وعلى المرأة العاملة حينما تُباشر حياتها العملية تُدرك أنها في موقع مسؤولية والتزام أدبي وقانوني مع الجهة التي تعمل لصالحها وتستفيد منها مهنياً ومادياً، وبالإضافة لالتزاماتها الأسرية التي هي من رعاية واهتمام ينبغي أن يشاركها فيها شريكها في الحياة، الحريص دون شك على أن تكون زوجته سيدة عاملة تسهم معه في بناء أسرتهما، بتهيئة متطلبات استقرار الأسرة وألا يُلقي عليها تبعات الحمل والإنجاب كاملة.
الأمل ما زال معقوداً في تطلعاتنا نحو وزارة التربية والتعليم بتحسين أوضاع كثيرة في مجال التعليم ومنها أحوال المعلمين والمعلمات، وحتى يحين إشراق فجر الأمل، فأنا أكرر تأييدي لقرار إيقاف إجازة رعاية المولود والعمل على تحسين وتجويد أحوال المعلمات اللاتي يذكرنني الشاكيات منهن، مع قلة أو انعدام الإنجاز مقارنة بسنوات الخدمة وسنوات الإنجاب في مجتمع ولاد، يذكرنني بالعاطلين عن العمل وغير المؤهلين عند شكواهم أو رفضهم للعمل الحرفي أو الميداني ويطالبون بأحقية حصولهم على عمل مكتبي!. تطور التعليم منوط باللبنة الأولى التي يقوم عليه وهو ثالوث المعلم - والمدرسة - والمنهج. فمتى سار أحد هذه الأضلع في طريق الكسل والتنصل من المسؤوليات أو النقص والانغلاق، أصبحت عملية التعليم عرجاء لا تنهض على ساق أبدًا ولا تقدم تطورًا ننشده لوطننا وأبنائنا.