القائد الإداري من النمط المتسلط يرى أن مهامه تتطلب إخضاع عناصر الإنتاج 'أفراد، أموال، ومعدات' في وحدة واحدة لسلطاته، كما أن الموظفين يحتاجون إلى إشراف حازم ورقابة مشددة
يعتزم معهد الإدارة العامة بالرياض، تنظيم مؤتمر بعنوان القيادات الإدارية الحكومية في المملكة العربية السعودية: الواقع والتطلعات، وذلك خلال الفترة من 10-12 صفر 1436، ويأتي هذا المؤتمر - حسب رأي المعهد - إلى وجود اتساع متسارع في الفجوة بين تطلعات الدولة من الأجهزة الحكومية وبين كفاءة هذه الأجهزة بسبب ندرة وضعف مستوى قدرات القيادات الإدارية التنفيذية في كثير من هذه الأجهزة!
وفي هذا الصدد كشفت تقارير صحفية عن وجود جهات حكومية تقدم خدمات متواضعة ورديئة لا تنسجم مع التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها البلاد، فهناك جهات لا يزال يعتريها سوء التخطيط، وضعف الإدارة منذ عقود رغم توافر الميزانيات الكبيرة، والدعم الإداري والمالي حتى إنها توقفت عن التطور، وذلك بسبب وجود قيادات إدارية ضعيفة القدرات، لا تمتلك الرؤية الاستراتيجية الواضحة وليست لديها فلسفة إدارية حديثة، مع ضحالة الثقافة والدراية بالشأن العام!
ولهذا فإن مثل هذه القيادات الإدارية تركن إلى المألوف وعمل الحد الأدنى والاستغراق في الروتين، فتحولت بعض الجهات الحكومية من العمل المؤسسي إلى العمل الفردي، الذي يخضع لمزاجية المسؤول الإداري، والذي يهدف إلى تحقيق مصالحه الشخصية ما أمكن عبر المنصب القيادي الحكومي.
لا شك بأن القيادة الإدارية تمثل أهم الوظائف في العملية الإدارية، والتي تمثل في جوهرها أيضاً العنصر الإنساني الذي يقود الجهة الحكومية، ويحقق فيها التنسيق بين وحداتها وأقسامها وموظفيها، فالقيادة هي بمثابة القمة في التنظيم الإداري وهي مسؤولة عن توجيه وتنسيق وبناء البرامج وتنفيذها.
ومن أنماط القيادة الإدارية السائدة في بعض الجهات الحكومية، هي من النوع الأتوقراطي المتسلط، التي تحاول دائما تركيز كل السلطات في يدها، وتنفرد باتخاذ القرارات ورسم السياسات وتحديد الأهداف، ولا تثق بالموظفين، وتميل دائماً إلى التهديد بالسلطة، وفي ظل هذه القيادة تنعدم الاتصالات الصاعدة وتزداد أهمية الاتصالات النازلة، بمعنى أن مثل هذا النمط من القيادة لا يهتم بنقل الاقتراحات والدراسات من قبل الموظفين ولا لآرائهم، بينما تهتم بإصدار الأوامر والتعليمات والتوجيهات.
وبناءً على نظرية X التي وضعها دوجلاس ماكجريجوز (النظرة السلبية للإدارة)، حينما لاحظ أن العديد من القادة الإداريين يفترضون أن الموظفين يجب أن يوجهوا ويراقبوا في عملهم من خلال التهديد والإجبار والحوافز المادية، فهذه النظرة تفترض أن الدافع الأساسي للعمل هو المال ولا شيء غير المال، وبالتالي فإن الموظفين يكرهون العمل ويتجنبونه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ويرغبون في تجنب المسؤولية، وطموحهم قليل نسبياً، ويرغبون في الأمن الوظيفي فوق كل شيء.
وبناءً على النظرة السابقة للموظفين، فإن القائد الإداري من النمط المتسلط يرى أن مهامه تتطلب إخضاع عناصر الإنتاج (أفراد – أموال – معدات) في وحدة واحدة لسلطاته، كما أن الموظفين يحتاجون إلى إشراف حازم ورقابة مشددة، وبدون استخدام الشدة لا يمكن للقائد الإداري أن يلزم مرؤوسيه بأداء المهام الموكلة إليهم أو أن يكبح انحرافاتهم.
وبناءً على ما سبق، نجد أن بعض القيادات الإدارية في بعض الجهات الحكومية تحرص على مراقبة الموظفين، وليس على إنتاجيتهم وأدائهم في العمل، فيكون جدولهم اليومي تسجيل الملاحظات عن أولئك الذين تخلفوا عن الدوام، وإصدار تعاميم إدارية تتعلق باستخدام الشدة والحزم مع الموظفين، مثل منع الإفطار وقراءة الصحف في المكاتب، ومدى وجودهم في مكاتبهم، وبخصوص الانتدابات فإن هؤلاء الموظفين في نظرهم يستغلون ذلك في توفير المال أو اصطحاب أسرهم من أجل السياحة، لذا تصدر تعاميم بألا يصرف الانتداب إلا من خلال إثبات إقامة الموظف في المكان المنتدب إليه، من خلال التأكد على سبيل المثال من تذاكر السفر أو إرسال فاكس يومي إلى الإدارة خلال فترة الانتداب!
وبالنسبة لأداء العمل فأكثر ما يهمهم هو شكليات الإجراءات الإدارية، مثل وقت الإنجاز، تنفيذ التوجيهات وبغض النظر عن جودة الإنتاج، فلا أحد يسأل عن جودة وكفاءة العمل فهذا غير مهم على الإطلاق، المهم هو فقط تنفيذ التوجيهات والأوامر والقرارات.
وبالنسبة لاتخاذ القرارات فهي قرارات فردية بناءً على مزاجية ومصالح القائد الإداري ولا تأخذ في الاعتبار احتياجات العمل ولا إمكانية تطبيقها، فتفرض على الموظفين بقوة السلطة حتى ولو كانت مخالفة للأنظمة والتعليمات، وعند ظهور سلبيات هذه القرارات على أرض الواقع فإن ذلك بسبب تقصير الموظفين، وعليه يجب معاقبتهم والتشديد عليهم بصورة أكبر، ويجب تطبيق نظام تأديب الموظفين بحقهم!.
وبخصوص الحوافز المادية والمكافآت، فألا تعطى للمستحقين والجديرين بها، وإنما تعطى للموظفين الذين لديهم ولاء شخصي للرئيس الإداري، والذي يعده ولاءً وظيفياً للجهة، والملتزمين بمبدأ عبد المأمور.
للأسف الشديد، فإن الموجود في بعض الجهات الحكومية ليست قيادات إدارية حقيقية بمفهومها الإداري المتعارف عليه، وإنما رئاسة إدارية مصدرها الوظيفة الرسمية، وهي تمثل السلطة وتجمعها في فرد واحد بينه وبين الموظفين مسافة طويلة، وتجب على الموظفين طاعته بحكم منصبه الرسمي الذي يمنحه حق إيقاع الجزاء على الموظفين أو مكافأتهم، بينما القائد الإداري هو من يستمد سلطته الفعلية من قدرته على كسب احترام وطاعة الآخرين واستجابتهم له، فالطاعة في العلاقة بين القائد والموظفين أساسها تقبلهم للقائد وثقتهم في مقدرته على تحقيق الأهداف المنشودة والإحساس بمشاعرهم ومشاكلهم.
إن أحد الأسباب الرئيسية لتدني إنتاجية بعض الجهات الحكومية وتردي خدماتها وضعف معنويات الموظفين، هو عدم وجود قيادات إدارية حقيقية، وإنما مناصب حكومية لرئاسة إدارية متسلطة تقصي المبدعين والكفاءات من الموظفين وتمثل بيئة طاردة لهم، والسؤال المطروح هنا هو: كيف يمكن تغيير أو إيجاد نمط من القيادات الإدارية تستطيع التأثير في سلوك الموظفين وتتفاعل معهم؟ هذا ما أتمنى الإجابة عنه في مؤتمر معهد الإدارة العامة حول هذا الموضوع.