بعكس صغار الموظفين، فإن معاملات أصحاب النفوذ في الجهة الحكومية تنتهي بسرعة البرق، حتى لو كانت غير نظامية، فالشؤون المالية والإدارية تبحث عن النموذج النظامي المناسب لهذه المعاملات غير المشروعة

للشؤون المالية والإدارية في الجهات الحكومية عادةً مكانة خاصة، لذلك فإنها من بين الإدارات التي تحظى باهتمام فريد من قبل الرئيس الإداري، وتقتضي طبيعة الحال ذلك، حيث إن هذه الإدارة تقوم بتوفير الدعم والمساندة لباقي الإدارات والأقسام المختلفة في الجهة الحكومية، من خلال تنفيذ المهام والأنشطة المتعلقة بالمسائل المالية والإدارية مثل توفير الاحتياجات من السلع والخدمات، وإعداد مشروع الميزانية، وإعداد وطرح المناقصات وما يتعلق بشؤون الموظفين من ترقيات ونقل ورواتب وإجازات وانتدابات.
وبالتالي، فإن أكثر القرارات التي يصدرها الرئيس الإداري مهما كانت طبيعتها، تتم في قمة الجهة الحكومية، لذا ترتبط الشؤون المالية والإدارية مباشرةً بالرئيس، ولأن لهذه الإدارة مكانة خاصة يحرص الرؤساء أن يختاروا لإدارتها من يركنون إليه، ومن يمكن أن يجعلوا ميزانية الجهة في خدمة أهدافها، وربما في خدمة أهداف ومصالح الرئيس الإداري! لذا تم اختراع وظيفة ليس لها أساس في وظائف الخدمة المدنية وهي وظيفة المشرف العام على الشؤون الإدارية والمالية يتم منحها صلاحيات واسعة حتى لا تطال الشبهات الرئيس!
وعادةً ما تلعب الشؤون المالية والإدارية دورين مهمين، الأول/ أنها تؤدي المهام العادية في دراسة المعاملات وإجراءات الصرف وتحصيل الإيرادات، وأعمال المشتريات، وأعمال الصيانة والنظافة، والحركة (السيارات) وتسوية مستحقات الموظفين من رواتب وإجازات ومكافآت وغيرها، وفي إطار هذا الدور لا تخرج المهمة عن كونها من الأعمال الإجرائية الروتينية من خلال الرجوع إلى الأنظمة واللوائح والتعليمات المالية.
أما الدور الثاني/ فإنه لا يختلف في ظاهره عن الدور الأول، ولكن يختلف في هدفه، إذ يتم تطويع الأنظمة والتعليمات المالية ولوائح الخدمة المدنية بما يتلاءم مع أهداف الرئيس الإداري، بحيث تمتد المظلة النظامية على كثير من الإجراءات والأعمال التي قد تكون مخالفة للوائح والأنظمة.
وعلى هذا الأساس، تصبح الشؤون الإدارية والمالية من الإدارات الضالعة في الفساد، فتمالئ مراكز النفوذ في الجهة الحكومية، وقد تقوم بصرف مستحقات عن انتدابات وهمية، أو صرف مستحقات تتجاوز مدة الانتداب الفعلي، وقد تقوم بصرف كثير من الفواتير المالية، وتكمل كل المسحة الشكلية التي تعطيها الصبغة النظامية والتي تطلبها التعليمات المالية بهذا الشأن.
وعندما يتعلق الأمر بصغار الموظفين في الإدارة التنفيذية أو الوسطى، فإنها تعرقل المعاملات أو عملية الصرف ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، حتى وإن كانت نظامية من خلال الارتكاز على أسباب غير منطقية، ومن ذلك على سبيل المثال: طلب بيان مفصّل بالأعمال التي قام بها الموظفون أثناء خارج الدوام الرسمي، ثم يتم فحص ودراسة هذا البيان لفترة طويلة، وقد يتضح - حسب رأي الإدارة - أن المهام التي تم إنجازها لا تستغرق كل تلك الساعات يوميا، أو أنه لم يتم تحديد الساعات بالدقة المطلوبة، وكذلك بالنسبة للانتدابات، فعندما يقدم الموظف ما يفيد إنجاز المهمة المنتدب بسببها، تقوم الإدارة بوضع العراقيل مثل عدم إرفاق تذاكر السفر، أو عدم إرفاق ما يفيد الإقامة طول فترة الانتداب، وهكذا تمضي الشهور ولا يحصل الموظفون على مستحقاتهم.
أما بالنسبة للرئيس الإداري ومراكز النفوذ في الجهة الحكومية، فإن معاملاتهم تنتهي بسرعة البرق وفي وقت قياسي، حتى ولو كانت غير نظامية، حيث إن الشؤون المالية والإدارية تبحث عن النموذج النظامي المناسب لهذه المعاملات غير المشروعة، وكذلك بالنسبة للشركات التي تتعامل معها الجهة وتهم الرئيس الإداري، فإنها تقوم بصرف المستخلصات أولاً بأول، حتى لو كانت هذه الشركات متأخرة أو سيئة التنفيذ، وربما كان للإدارة قسط من تلك المستخلصات.
وبالنسبة لقسم الحركة المرتبط بالشؤون الإدارية والمالية، فيتم وضع جميع سيارات الجهة الحكومية تحت خدمة الرئيس، وكذلك كبار الموظفين، لاستخدامها في أغراضهم الخاصة في أي وقت يشاؤون، وربما لأبنائهم وأقاربهم أيضاً، ويتم شراء سيارات حديثة كل سنة مالية وبمواصفات خاصة يختارها الرئيس، وبالنسبة لمهندسي الصيانة فإنهم يؤدون كثيرا من أعمالهم في منزل الرئيس، وكذلك بالنسبة للمزارعين والسباكين وغيرهم من عمال المقاولين، وربما يسافر الرئيس وكبار الموظفين من ذوي النفوذ في إجازة خاصة على حساب ميزانية الدولة، باعتبار ذلك انتداباً أو مشاركة في مؤتمر.
ومن الأساليب التي تتبعها الشؤون المالية والإدارية في سبيل تحقيق رغبات الرئيس، تقوم عند إعداد مشروع الميزانية بوضع مخصصات بنود لا تحتاجها الجهة وفي الوقت نفسه تبدو مهمة، مثل بند الدراسات والأبحاث، أو المبالغة في زيادة بنود مثل المكافآت والسفريات والتدريب، أو المساومة وتبادل المصالح مثل وضع بند لشراء أثاث مكتبي لمرة واحدة أو شراء أجهزة ومعدات، ثم يتكرر هذا البند في الميزانية في كل سنة مالية، ولكن بشروط وربما تكون هذه الشروط توظيف بعض الأقارب والأبناء في الجهة الحكومية.
بعد ذلك تبدأ الشؤون الإدارية والمالية بإجراءات المناقلات خلال السنة المالية، من البنود السابقة وبقرار من الرئيس الإداري، ثم تبدأ الأعذار البيروقراطية المعهودة في وجه الإدارات الأخرى وفي وجه الموظفين.. الإمكانات غير متاحة، والاعتمادات المالية غير كافية، والبنود المالية انتهت... وهم في كل ذلك كاذبون!
ما ذكر أعلاه من ممارسات، قد نجدها في العديد من الجهات الحكومية، وهي تمثل أحد أخطر صور الفساد، والإشكالية هنا تتمثل في معرفة كيفية الحد منها؟.. في بعض الدول، يرتبط مدير الشؤون المالية بوزارة المالية فنيا وإداريا، ولا يرتبط بالجهة الحكومية، حتى لا تكون هناك علاقة مصلحية بين الرئيس والمدير وإعطاء الإدارة استقلالية أكثر، ولكن مثل هذا الإجراء قد يزيد من التصادم الإداري، وربما يحد من صلاحيات الجهة الحكومية ويعطل أعمالها، وفي رأيي أن التدوير الوظيفي للمديرين وكذلك فصل الوظائف المتعارضة مع النظر في تفويض الصلاحيات ربما تحد من مخاطر هذه الظاهرة.