هل ما حدث في جازان من وفاة 5 وافدين في سجن الترحيل هو أزمة إدارة وتمويل للمنشآت الحكومية وهو الأمر الذي أخذ سمة غالبة في العديد من القضايا اليوم؟ هل النتائج العكسية للمسألة تتعلق بسمعة المملكة

هل ما حدث في جازان من وفاة 5 وافدين في سجن الترحيل هو أزمة إدارة وتمويل للمنشآت الحكومية وهو الأمر الذي أخذ سمة غالبة في العديد من القضايا اليوم؟ هل النتائج العكسية للمسألة تتعلق بسمعة المملكة وصورتها في الخارج أم أن هناك اعتبارات أكثر إنسانية في مسألة وفاة 5 أشخاص دون ذنب أو جريرة إلا أن يتم سجنهم في مكان يفتقد أبسط مقومات الإنسانية، أن يموت 5 أشخاص لأن المياه التي شربوها اختلطت بمياه الصرف الصحي، وهنا في المملكة دوناً عن أي دولة عربية أو إسلامية هو عار نحمله جميعاً، فما حدث عنوان لأزمة أكبر من مجرد أزمة وفاة أشخاص بخطأ غير مقصود.
الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان قامت بإرسال وفد إلى إدارة الترحيل التابعة لجوازات جازان محل القضية، وبعد الجولة التفقدية داخل التوقيف والالتقاء بالموقوفين والاستماع لشكاواهم ومنها اكتظاظ العنابر وانتشار الأمراض الوبائية بالإضافة إلى رداءة التكييف وضعف التهوية وذلك بحسب الخبر المنشور في صحيفة الرياض بتاريخ 30/8/2010 والذي يضيف أن الجمعية سوف تعد تقريراً بما تم رصده أثناء الزيارة من سلبيات وايجابيات تمهيداً لمخاطبة الجهات ذات العلاقة بشأن ما يلزم اتخاذه بشأن تحسين أوضاع سجون الترحيل في المملكة والتي تحتاج إلى تدخل عاجل من قبل الجهات المعنية لمعالجة بعض الملاحظات التي سبق للجمعية أن رصدتها في أغلب هذه السجون.
وهنا يجب التوقف أمام عدة نقاط في هذا الخبر وأمام عدة دلالات خلف قضية وفاة هؤلاء الوافدين، فالخبر أكد أن الجمعية سبق أن رصدت بالفعل عدداً من الملاحظات في هذه السجون ومن ثم فالسؤال الذي يطرح نفسه متى تم رصد هذه الملاحظات؟ وما هي الآليات التي تملكها الجمعية لمتابعة ما تقوم برصده؟ لأنه إذا لم تكن لملاحظاتها المرة الأولى أي أثر فما الذي يدعونا لأن نعتقد أنها ستحقق شيئاً هذه المرة .. إلا إذا اعتقدنا أن تحقيق أي تقدم أو إصلاح مرهون بمصيبة من حجم وفاة أشخاص في سجن للترحيل أو حتى كارثة بسبب الأمطار والسيول!
النقطة الثانية التي يجب التوقف عندها والتي تحمل دلالة كبيرة هي السؤال: على عاتق من تقع مسؤولية موت هؤلاء الأشخاص؟ هل تقع على النظام الإداري الذي جعل من غالبية المباني الحكومية بأنواعها المختلفة مثالاً للتخلف والتردي والفوضى والقذارة؟ إن الخبر بما حمله يجعل من الجمعية مجرد مرسال لرفع التقارير وظيفتها هي رصد السلبيات والإيجابيات!
لا شك أن للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان دوراً كبيراً في المجتمع وهو دور يوجب علينا كل احترام ومساندة وتقدير، وبالأخص في ظل كون تجربة مؤسسات حقوق الإنسان في المملكة لا تزال تجربة شابة بحاجة للكثير من الاعتناء حتى يشتد عودها، ولكن الخطر يكمن في أن تتحول مثل هذه المؤسسات إلى مجرد ترس آخر في الجهاز البيروقراطي.
تقرير الجمعية حول ما حدث في جازان سيناقش اكتظاظ العنابر ورداءة التكييف وضعف التهوية، ولكن هل سيناقش التقرير جذر المشكلة الحقيقي؟ هل سيكشف التقرير الصورة الصادمة التي نحاول جميعا تجنب النظر إليها؟ وهي أن ما حدث لم يحدث بين يوم وليلة ولم يحدث فقط بسبب ضعف النظام الإداري برمته.. لقد حدث بسبب ضعف ثقافة حقوق إنسان في مجتمعنا.. لأنه لو كانت لدينا مثل هذه الثقافة لما سكت القائمون على السجن بدءاً من مديره وانتهاء بأصغر جندي فيه على مثل هذا.. حتى لو كانوا وافدين أجانب، ما حدث في جازان ليس مجرد خطأ.. إنه النتيجة لوجود فساد في القيم والثقافة التي يقوم عليها المجتمع والتي تبدأ من التنشئة والتربية والتعليم، فلو كان المجتمع واعياً ولو كانت ثقافة حقوق الإنسان متجذرة فيه لما سكتت قائمة طويلة من الأشخاص على مثل هذا الانتهاك.