المرأة هي الطرف الأضعف في المعادلة غير المتساوية الطرفين، لكنها بما تملك من قدرات جبارة رجحت موازينها ببراعة، ففرضت نفسها في كل مجال أتيح لها
(فـي مقلتيك أرى الحياة
تـفيض يـنبوعا سخيا
وأرى الـوجـود تـلفتا
سـمحا وإيـماء شـهيا)
عمر أبوريشة
بعض الأفكار جذابة حية، تمسك بيدك بلطف، لتأخذك إلى عوالمها بعد أن تقتحم عقلك وتسيطر عليه، وبعضها لا تفعل بل تبقى فرسا شرودا؛ وبين يدي العقل والفكرة القاسية تقف اللغة أُمَّا تقارب بين المتباعدين.
موضوعي اليوم، أفتش عن المرأة، أي عنيّ، ويفترض أن يكون سهل القياد لكنه ليس كذلك؛ لأنه موضوع مطروح ومكرر لدرجة أني كلما هممت بفكرة وجدتها تطرح قبل أن أشرع فيها، وليس سرا أن قضايانا وهمومنا المشتركة نحن معشر النساء تشغل مساحة كبيرة مما يطرح في وسائل الرأي ومجالسه العامة والخاصة.
قيادة السيارة مثال لما يتصارع عليه مجتمعنا بين حاجة ومخاوف؛ في ظل سائق عام أو خاص تفتقر إليه العائلة، وقد يكون سببا في خسارة مادية كبيرة قد تصل إلى الأرواح!
سألت صديقة غير متزوجة: لماذا تفضل السائق الأجنبي وتكني نفسها بأم فلان أمامه؟ فأجابت حتى لا تتعرض للمضايقة فالسائق الوطني يعرض الزواج من المشوار الأول أو على الأكثر الثاني!.
نموذج آخر، حاجة الأسرة للخادمة خاصة عندما لا يكون لها بديل فتكون جليسة لأطفال أم موظفة أو لسيدة مسنة تصعب عليها الحياة دون عون.
المرأة في كلا الحالين قاسم مشترك تحتاج السائق الناقل الرسمي وتحتاج الخادمة الراعي الرسمي!
وقد يظن المراقب من بعيد لوضع المرأة أنها المستفيد الأول والواقع عكس ذلك، فهي تتجرع مرارة الحاجة لو غاب أحدهما وقد تدفع الثمن مضاعفا من دخلها لو كانت من ذوات الراتب!
وجود العمالة ونظام الكفالة يلقي بظلال قاتمة على المرأة، ولكم أن تتخيلوا لو كانت سيدة مسنة لم تجد ولدا أو بنتا يكفيانها ذلك العناء، فهي وأمثالها سيبدأن معاناتهن بالاستقدام، وتمر بفحص العاملة ولا تنتهي لو هربت منها! ولو كانت امرأة أرملة أو مطلقة ولها أبناء وبنات، فهي عرضة للمساومة أو التجاهل وفي كلا الحالين لن تجد من يجعل لها حقا فيهم بأي شكل من الأشكال إلا بصك ولاية لا تحسن النساء الحصول عليه عادة؛ لأسباب قد لا يكون النظام الحكومي أساسها، لكن النظام الاجتماعي الخجول عائق لها!
المرأة هي الطرف الأضعف في المعادلة غير المتساوية الطرفين، لكنها بما تملك من قدرات جبارة رجحت موازينها ببراعة، وهناك أمثلة ظاهرة، فقد فرضت المرأة حضورها في كل مجال أتيح لها فعملت بالتعليم لحد الاكتفاء، ورضيت بالعمل في القرى والمدن البعيدة، غير آبهة بطول الطريق ووعورته؛ بل وتجاوزت للمطالبة بحقها في العمل كبديلة أو خريجة قديمة وربما نالته.
وحين قلت فرص العمل تنافست الطالبات الجادات على الدرجات الأعلى للقبول في الجامعات، خاصة وهن يتجاوزن كل عقبة توضع أمامهن في سباق أشبه بالقفز على الحواجز من قياس لقدرات.
وقبل وبعد يبقى حرصها على العمل والعطاء في كل مجال يحيطها، فازداد عدد المعتمدين عليها في أسرتها باطراد؛ فهي زوجة سخية تبني لزوجها وتدعم مشاريعه التجارية وتأخذ له القروض، وهي الأم والبنت التي تقدم بعاطفتها أهلها على نفسها، فتبقى معطاء بلا حدود، ولا تتذكر لذة أن تأخذ؛ لأنها تستلذ بعطائها!
ولو بحثت عنها بعد أوقات الدوام، ستجدها قد توزعت بين محلات المشتريات الغذائية، أو تصطحب أحد أبنائها في مراحل التعليم الدنيا، أو تنتظر بناتها أمام إحدى الجامعات، ولا تستغرب لو رأيتها مع سائقها في المنطقة الصناعية تبحث عن قطعة غيار لسيارتها التي بين يدي السائق!.
ولا تسأل عن مساحة الترفيه المتاحة لها، فقد تكون خطواتها على أرض الممشى الأقرب لها، أو تقتصر على كوب من القهوة خلف حاجز في مقهى، كما قد تمتد لحضور حفل زفاف قريبة أو صديقة.
أما المهتمات بالثقافة والفنون، فينتظرن غيث المناسبات الشحيحة والمقصورة على المدن الكبرى، ويسألن المعلن عن مكان مخصص للنساء.
بينما تكتفي في غير ذلك بالتعبير عن رأي، أو المطالبة بحق، عبر صرخة في برنامج، أو جملة في موقع تواصل يتصدى لها ألف مجاهد خصص نفسه لجهاد أفكار النساء، ومحاكمة صورهن الرمزية، ولو كانت مجرد لوحة عالمية بحجة أن التصوير والتفكير على المرأة حرام!.
ومع كل ما سبق استطاعت المرأة التوافق مع مصاعب الحياة الطبيعية والإضافية ما دامت تمتلك القوة والإصرار، لكن عندما تشيخ فالقوة قد زالت أو تكاد.
قبل أيام رأينا في ثامنة داود الشريان، دموع السيدات المسنات في إسكان الجمعية الخيرية بمكة المكرمة، وهن أربع سيدات صرخن صرخة مكتومة من الفقر والمعاناة في سكن بائس لا يزيد عن غرفة أو اثنتين لكل واحدة؛ لأنه سكن للفقيرات.
وقد لزمت ثلاث منهن الكرسي المتحرك، وزاد المعاناة التهديد بطردهن منه، والتهكم والأذى والسخرية، بعد أن طالبن العام الماضي بسكن بدلا من التعويض بمبلغ لا يكفي إيجارا لسنة واحدة.
وقد أحسن الأستاذ داود حين عرض قضيتهن وتابعها، ويبقى أن يتم قضيتهن وقضايا المسنات أمثالهن بحلول جذرية تكفيهن الحاجة لسائق يحملهن بمبلغ يفوق قدراتهن، ولمن يوصل الغذاء لبيوتهن دون مشقة وليد تجبر كسرهن، وتعلم من ظلمهن معنى الإحسان الحقيقي، فمن لها ولهن بعد الله يا محسنين؟!