هل كان بإمكان جورج بوش أن يصوغ استراتيجية الحرب 'على الإرهاب'، بعد الحدث المجلجل، لو لم يكن توازن القوة والرعب، في صالح أمريكا؟ وهل كان بالإمكان تخطي صلاحيات الأمم المتحدة، لو لم ينفرط عقد الثنائية القطبية، بسقوط الاتحاد السوفييتي
مراحل الانتقال في التاريخ الإنساني، ليست نتاج حادثة تاريخية، مهما يبلغ حجم وقوة تأثيرها. إن دورها في الغالب يتمثل في كونها تمثل المفصل في الانتقال من مرحلة إلى أخرى. تترك الحادثة بصماتها، واضحة وثقيلة على التاريخ اللاحق. إن نشوء نظام دولي جديد، على هذا الأساس، لا يرتبط بجزئية من السلسلة، ولكنه نتاج تحولات في موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية.
هكذا كان التاريخ الإنساني، دائما وأبدا. وهكذا أيضا تستحضر القراءة المنهجية للتاريخ المعاصر، الذي عبرت عنه نتائج حربين عالميتين مدمرتين، كانت ملامحهما الرئيسية انزياح قوى دولية وبروز أخرى. كانت التحولات التي أعقبت الحربين، قد جاءت في سياق موضوعي وتاريخي، ولم تكن خارج معادلة التراكمات التي بدأت في التشكل منذ انفصال دول البلقان عن السلطنة العثمانية، وانفلات الاستعمار التقليدي، بعد الاكتشافات الجغرافية والعلمية، والتعبيرات اللاحقة التي أكدت شيخوخة السلطنة، المعبر عنها بـ الرجل المريض بالاستانة. وأيضا تداعي النظام القيصري الروسي، ولاحقا، بعد نهاية الحرب الكونية الأولى، تراجع قوة الاستعمار التقليدي، البريطاني الفرنسي، أمام عنفوان وفتوة اليانكي القادم من خلف الأطلنطي.
بمعنى آخر، كان دور الحروب دائما، هو تحقيق الحسم فيما تحقق من تراكم تاريخي، والانتقال بالفعل الإنساني، من حالته التراكمية، غير المرئية في كثير من الأحيان، إلى كينونة درامية، تتموضع تفاصيلها فوق أنقاض التركة القديمة. وتعبر عن ذاتها فيما يعرف استراتيجيا بنشوء نظام دولي جديد.
هذه المقدمة تقودنا إلى موضوعنا، الذي سنكرس هذا الحديث وأحاديث أخرى قادمة لمناقشته، هو تداعيات إعصار الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، حيث جرت هجمات منسقة على برجي مركز التجارة الدولي في نيويورك ومبنى البنتاجون في العاصمة الأمريكية، واشنطون.
ما يهمنا هنا ليس الحدث بحد ذاته، ولا علاقته وعلاقة تداعياته بالمعايير الأخلاقية، رغم قناعتنا باستحالة الفصل بين الأخلاق والسياسة. إن ما سوف يجري التركيز عليه في مناقشتنا، هو التداعيات التي أعقبت حوادث سبتمبر على الساحة الدولية، وبشكل خاص في منطقتنا. هل يمكن اعتبار هذا الحدث، هو المبتدأ والخبر، في التطورات اللاحقة، التي نتج عنها احتلال أفغانستان والعراق، وتشظي باكستان والصومال والسودان، وما يشبه الحرب الأهلية في اليمن، والأوضاع غير المستقرة في عدد آخر من البلدان.
أسئلة مركزية، نسترشد في طرحها على المسلمة النظرية التي بدأنا بها، وجميعها ذات علاقة مباشرة بالتداعيات التي أخذت مكانها، كرد فعل على حوادث سبتمبر. هل كان بإمكان الرئيس الأمريكي، جورج بوش أن يصوغ استراتيجية الحرب على الإرهاب، بعد الحدث المجلجل، لو لم يكن توازن القوة والرعب، في صالح الولايات المتحدة الأمريكية؟ وهل كان بالإمكان القفز فوق القرارات الدولية، وتخطي صلاحيات الأمم المتحدة، وتعطيل دور مجلس الأمن، لو لم ينفرط عقد الثنائية القطبية، بسقوط الاتحاد السوفييتي، وتربع أمريكا على عرش الهيمنة في العالم بأسره؟. ثم هل كانت صدفة أن تكون المحطات الأولى للحرب على الإرهاب، بلدين إسلاميين هما أفغانستان والعراق، مع أن الأخيرة لم تكن طرفا، بأي شكل من الأشكال، في أحداث نيويورك وواشنطن. لسنا بحاجة إلى الاستغراق طويلا في الإجابة على هذه الأسئلة، على أهيمتها. فالأحداث اللاحقة، ومواقف الدول الكبرى منها، وعجز مجلس الأمن عن كبح جماح إدارة الرئيس بوش في إعلان الحرب على العراق، وما تكشف بعد احتلاله من زيف ادعاءات امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل، قد كفتنا مؤونة الرحلة.
ما حدث في 11 سبتمبر عام 2001، لم يكن المبتدأ، بل مثل فرصة ذهبية، للانتقال من الحالة التراكمية إلى الحسم. دليلنا على ما نقول، أن الوثائق المتوفرة لدينا، تؤكد جملة من الحقائق، أهمها أن التخطيط للاستيلاء على آبار النفط في منطقة الخليج العربي، قد بدأ العمل به بعد حرب أكتوبر عام 1973م، مباشرة، حين شكلت قوات التدخل السريع. ودليلنا أيضا هو ما تكشف من وثائق عن نية احتلال الإدارة الأمريكية للعراق، بغض النظر عن امتلاكه أو عدم امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل. بل لعلنا نجادل بالقول إنه لو كان العراق يملك فعليا أسلحة دمار شامل لما تجرأت الإدارة الأمريكية على مهاجمته. والحرب على الإرهاب لم تكن بدعة بوشية، بل كانت سائدة قبل وصول المحافظين الجدد بزمن طويل. وكانت عاصمة العباسيين بغداد، قد شهدت قبل أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، من أحداث 11 سبتمبر قصفا جويا أمريكيا- بريطانيا ذهب ضحيته مدنيون عراقيون. وفي الأراضي المحتلة شيع الفلسطينيون عددا من شهداء انتفاضة الأقصى الذين قضوا نحبهم بيدٍ صهيونيةٍ وأسلحةٍ وتقنيات أمريكية، ومسلسل الحرب على الإرهاب، من قبل الأمريكيين والبريطانيين والصهاينة، طويل وتفاصيله بحاجة إلى كثير من المجلدات.. وكان العنصر الجامع لهذه الحرب، منذ بداياتها، حتى هذه اللحظة هو افتقارها لمقومات النزاهة والصدق والعدالة، واعتمادها ازدواجية المعايير.
ولأن الشعوب، حين تواجه بهجمة الغرباء على أراضيها، تتصدى بصدورها العارية للاحتلال والغزو، فإن البديهي والمنطقي أن تتواصل مقاومة الفلسطينيين والعراقيين والأفغان من أجل طرد المحتل وتحرير أراضيهم. بما يعني، في عرف المحتل تصاعد عمليات الإرهاب، مما يستدعي ممارسة المزيد من عمليات الصدمة والرعب بحق المواطنين، حتى وإن كان في ذلك فتك بأرواح أكثر من مليون عراقي من المدنيين، وتشريد أكثر من خمسة ملايين، داخل وخارج العراق، وتعميم هوية ومفاهيم جديدة للمواطنة، تستبدل التاريخ بالطائفية، كما تستبدل الجغرافيا الطبيعية، بأخرى سياسية، تستعيض عن الوحدة بالتفتيت.
قراءة الاحتلال الأمريكي للعراق، في سياق نشوء الإمبراطوريات وتطورها، يبدو أمرا لا مندوحة عنه. فاليانكي الأمريكي، بعد خروجه الحاد من خلف الأطلسي بعد القصف الياباني لبول هاربور أثناء الحرب العالمية الثانية، كان لا بد أن تستتبعه جملة من الحقائق. أولاها أن الأمريكيين بدؤوا مباشرة بعد الحرب، في خوض حرب باردة مع الاتحاد السوفييتي، كان من نتائجها تحقيق انتشار كوني كبير، شمل مختلف بقاع الكرة الأرضية. فقد كان على اليانكي أن يحمي حلفاءه الأوروبيين، وأن يساند الأنظمة الموالية له في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. وكان عليه أيضا أن يخلق نموذجا رأسماليا باهرا قادرا على التنافس مع المعسكر الاشتراكي. وكان عليه أن يؤكد حضوره في المؤسسات الدولية كافة، وفي حلف الناتو والأحلاف التي نشأت بما يعرف بالشرق الأوسط، والهند الصينية. وأن يتحمل تبعات ذلك رغم ضخامة كلفها.
وفي الداخل كان خلق النموذج الرأسمالي الباهر قد استدعى تحقيق رفاهية غير مسبوقة في أي مجتمع إنساني آخر، بما جعل المعادلة بين الإنتاج والاستهلاك تهتز لصالح الأخيرة. وبقدر الاندفاع إلى الانتشار، بالقدر الذي تتكثف فيه الحاجة إلى المزيد من الثروة والمال. وكانت هناك حاجة مستمرة إلى كنوز الأرض. وكان العراق هو الكنز. ما علاقة ذلك بتداعيات ما بعد العاصفة؟ سؤال لنا معه وقفة في الحديث القادم بإذن الله.