فرحة الأولين من أهلنا بعيد 'اللحمة' أشد وقعا مما نحن عليه.. كانوا يفرحون بالأضحى أيام الشدة والعسر ليستطعموا لذة اللحم، التي لا تتوافر خلال العام إلا فيما ندر
كل شيء جديد له فرحه وحسنه ودهشته، لكن هذا الجديد يدخل مع تقادم الزمن دائرة التكرار ومن ثم الرتابة ثم أخيراً طور الاعتيادي الذي لا يثير الدهشة والفرحة كما بدأ.
هذه قاعدة بديهية لأن من طبيعة البشر التلهف لكل جديد والزهد في كل موجود، وهذه الحالة يفسرها القانون الاقتصادي الشهير تناقص المنفعة الحدية أي تناقص لذة الشيء إذا كثر أو تكرر، لكن مع ذلك كله ورغم كل الكلام أعلاه ورغم انطباق ذلك القانون الاقتصادي على كل ما يندرج في صف الجديد والحسن والمدهش؛ إلا أن العيد يكسر هذه القاعدة فالعيد لا يزال وسيظل يحافظ على نكهته ولذته وفرحته التي لا تتأثر مع تقادم الزمن.
ها هي أعيادنا تترى وتتابع من عيد رمضان وحتى عيد الأضحى ورغم قرب المسافة بينهما إلا أن لكل واحد منهما فرحته وطعمه المميز وطقوسه المختلفة.
نفرح جميعاً بالفطر في عيد الفطر لأننا نغير أسلوب حياتنا التي انقلبت خلال رمضان رأساً على عقب، كما نفرح بتمام الصيام والقيام ومن بعد نفرح بعودة جدول حياتنا اليومية إلى طبيعته التي غيرها الصيام. ثم يأتي بعده بشهرين عيد الأضحى المبارك وفيه يفرح المسلمون الآثمون المستغفرون بيوم الوقفة بعرفات، الذي تمحى فيه السيئات لمن حجه أو صامه، ثم وفي اليوم الذي يليه تشرع الذبائح فيتغير شكل ذلك اليوم في إجماع فريد على الهدي والإهداء بين الناس.
وأظن أن فرحة الأولين من أهلنا بعيد اللحمة أشد وقعاً مما نحن عليه تبعاً للوفر والرخاء بل والتخمة. كانوا يفرحون بالأضحى أيام الشدة والعسر ليستطعموا لذة اللحم التي لا تتوافر خلال العام إلا فيما ندر، أما نحن الآن - فله الحمد والمنة - صرنا نخشى على أنفسنا من تبعات الفوائض الدهنية، وفي الإسراف مأخذة دينية وصحية، لكن مع ذلك فإن يوم عيد الأضحى يظل محافظا على نكهته المميزة نسبة لكونه يحقق إجماعا في تقاليد يومه من حيث الذبح والتفنن في تنويعات السلخ والنفخ والطبخ ثم ولائم الشواء، وهكذا نحن في توالي مناسبات العيد نكبر والعيد لا يكبر، ويبقى رغم كل التحولات الزمنية والمكانية له طعمه ولذته التي تتكرر كلما عاد من جديد. وبالتالي فليس صحيحا أن العيد فرحة للأطفال فقط، فالفرح طاقة تسري في نفوسنا فنفرح لفرح الأطفال ونصير فرحين مثلهم.
بالنسبة لي ما زلت أتعمد الفرح وأستعد له في كل عيد، وأستشعر اختلاف يومه عن بقية أيام السنة.. ألبس فيه الجديد بعد أن أغتسل وأتعطر وقبلها أغسل قلبي وأدران نفسي وأبتهج بعيداً عن كل مكدرات السياسة ومكائدها.
لقد جاء على كُتّاب المقالات حينٌ من الدهر لا يكتبون في العيد وعنه إلا مبتدرين كتاباتهم بقول المتنبي: عيد بأية حال عدت يا عيد..
ثم يصفون العيد بأقسى الأوصاف: عيد النكسة أو عيد الأحزان أو عيد الهزيمة كان ذلك يوم كانت إسرائيل عدوة العرب الأولى، وكانوا مجمعين أمرهم على هذا العدو الأوحد فما بالنا اليوم وقد غدونا أعداء بعض بعصبياتنا ومذهبياتنا، يرزح بعضنا تحت سطوة إرهاب الأنظمة كما في سورية والعراق أو تحت نزوة التغيير كما في ليبيا واليمن، إضافة إلى ما تشكله المنظمات الإرهابية الآن من قتل وتفخيخ وتفجير تحت اسم حزب الله أو القاعدة أو أنصار الله أو النصرة أو داعش أو حزب الدعوة أو فيلق بدر أو الحوثي إلى آخر هذه الفصائل التي تتآمر على الأمن والاستقرار تحت راية الدين والدين بريء منهم جميعاً.
ومع كل ذلك فلا عليك يا أخي وامض في فرحك وتعايش مع فضيلة التغافل وكن سعيداً واسعد من حولك فالله غالب على أمره.