لو كنت أملك السلطة في 'تويتر' لطلبت من كل شخص يريد وضع هاشتاق؛ ملفا أخضر علاقا يحتوي على ورقة صحية من قبل المركز النفسي، تفيد بأن مطلق الهاشتاق خال من الأمراض النفسية والعصبية
على الدوام كنت أشعر بتلك المتعة التي تطغى على روحي، وأنا أدرك الفارق الذي أحدثته في حياتي، نظير اكتساب بعض الملامح من النضج، وهكذا تتخللك السعادة وأنت تجد نفسك قد بدأت في تدريب عقلك على قبول منطق الدنيا، الذي بدا لك في أول الأمر صعبا وشاقا، وربما في بعض الأحيان مستحيلاً، وهنا تدرك أكثر قيمة الوقت والتجربة الذين عملا بجد في دفعك للتغيير، ولأن تكون أكثر قدرة في التحكم باندفاعك الشخصي، وتحمل مسؤولية قراراتك. وعلى سبيل المثال، أجدني مختلفة جداً في ردة فعلي بين أول هاشتاق أطلقه بعض المغردين المبتعثين ضدي، وبين الهاشتاق الأخير الذي وصل للترند في تويتر وجاء بعنوان #إساءة_سارة_مطر_للمعاقين.. ثمة فارق كبير بين مقال واضح المعالم والفكرة الأيديولوجية التي هدف إليها المقال، وبين تغريدة جاءت استكمالاً لتغريدات سابقة، كنت أتحدث فيها عن تأثير العلاقات العاطفية وتحديداً فيما يتعلق بمشاعر المرأة، وغفلة بعض الرجال عن العواقب الوخيمة التي تأتي إثر انتهاء التجربة التي ما عادت ملتهبة أو مثيرة، وكنت ألمح إلى أن بعض الرجال يجدون في العلاقات العاطفية مجرد فرصة لتبديد الملل، دون التفكير بما يحدث للمرأة من ألم بعد انتهاء التجربة، وعلى الأخص حينما يقرر الرجل الزواج معلنا بدايته الجديدة في حياته، لن يلومه أحد على ذلك، أو بأدق تعبير لأنه لا يسأله المأذون إذا ما كان قد طعن امرأة قبل أن يقرر بالزواج من أخرى أم لا؟ كل ذلك يفعله الرجل وهو غير واع مطلقا بأن الحياة قصاص، وبأنه لن ينفذ من عقوبة الله.
ولأن تويتر بالنسبة للسعوديين تحديدا يعد مثل استراحات الشباب، فهو يجد في هذا البرنامج أفضل طريقة للتنفيس والتنكيل والبتر والحسم، وربما أفضل طريقة أيضا للتعارف وتضييع الوقت البائت الطويل، فالشاب الفرنسي أو الأميركي مثلاً، منذ أن يستيقظ من نومه يتناول الآيباد، ويذهب سريعا إلى بريده الإلكتروني للتأكد من عدم وجود أي رسائل عالقة، أو يذهب إلى الموقع الذي قام على تصميمه فيتأكد أن الأمور تسير على ما يرام، وهكذا دواليك، أما الكثير من الشباب في السعودية فهم مختلفون جداً عن غيرهم، لأنهم منذ أن يفتحوا أعينهم يمسكوا بأجهزتهم، ويبدؤون البحث عن فريسة سواء رجل أو امرأة لكي يتم نهشها، والكيل لها بأقذع الشتائم والتهم والتشهير.
في تويتر تتناثر الأسماء المستعارة بعرض السماء من كثرتها، خيارات المستعارين في الحياة محصورة وضئيلة، لذا فهم مضطرون للبقاء في هذا العالم، في محاولة لإيجاد صورة يكتسبونها لتكون واقعا لهم بعد ذلك، ولأنهم لا يجدون مكانا آخر سواه، فعليك أن تتحمل مدى السوء في طريقة تعليقاتهم على بعض التغريدات، ومدى هشاشة فكرهم، وضحالة أملهم في المستقبل، وللأسف الأخطاء في تويتر تحديداً لا تأتي فقط من المراهقين والجهلة والمفحطين والمتنمرين والشاذين فكرياًّ ونفسياًّ، أو من الذين عانوا من العنف الأسري أو العاطفي، لكنك ستجد أيضاً ضمن كل ما سبق أطباء ومحامين ورؤساء أندية، يحملون عقداً صنعتها بداخلهم الظروف الاجتماعية التي عاشوا بها. لذا لا تستغرب أن تجد طبيباً أو حتى طبيبة يهددونك ويدينونك ويدعون عليك بالموت والشلل الرباعي والخماسي، وأخصائية تعليم نطق تهددك برفع قضية عليك، وآخر يحضر ماجستير يحقق في صورتك ويأول كل تغريدة أنك تقصد بها شخصا ما، هؤلاء ليسوا مراهقين، هؤلاء يمتهنون مهنا عظيمة ورائدة ونحن بحاجة لهم، لكنني على سبيل المثال بت أخاف من أن أحتاج يوماً إلى طبيب، يحمل في شخصيته أكثر من اضطراب نفسي وفكري، وأنا لا أعلم!
وتأكد عزيزي القارئ، أن مثل هؤلاء يستحيل في واقعهم أن يكونوا بمثل هذه الوقاحة ولو كانوا في الطريق بمفردهم، إن ما يقومون به في تويتر، نتيجة للحرمان من أشياء كثيرة في حياتهم الاجتماعية والعاطفية، لذا فهم ينتقمون من هذا الضعف والارتباك والتجاهل، بمحاولة القفز على بعض الشخصيات سواء أكانت مشهورة أم عادية بتحريك الفوضى، ومحاولة ملء الدنيا ضجيجاً وفتنة، وكلما زاد غضب من حولهم على ما كتبوه، شعروا بالسعادة تغمرهم أكثر، إنها سيكولوجية مريضة جداً، لكنهم للأسف لا يدركون أنهم يعانوا من مرض نفسي، وأن عليهم أن يسهموا في تغيير مثل هذا الاعتقادات والتصرفات بداخلهم، حتى لا تكبر ومن ثم لا يستطيعون الخروج من هذه الدائرة المفرغة، أنا متأكدة تماماً أن مثل هذه الشخصيات تجد دائماً أن أفكارها ضعيفة وطرية، وتحتاج إلى دعم نفسي كبير وثقة لكي تخرج للآخرين، ولكن للأسف لا أحد يساندهم، لا أحد يدخر من وقته لكي يعطيه لهم، لذا فهم يعيشون في حقيقة الأمر في زوايا مظلمة، والمؤسف أنهم لا يملكون القدرة على إعلان حاجتهم الماسة، لذا فمثل هذه النظرة الهامشية لهذه الفئة، هي من تخلق بداخلهم ذلك التحدي القاسي تجاه المجتمع وتجاه أفراده، وتجاه أي شخص يشعرون بأنه لا يشبههم، وبأنه أكثر حظاًّ منهم في أي مجال.
ونأتي عند حكاية فوضى الهاشتاقات التي يتبناها السعوديون بشكل لافت، فلو كنت مثلاً أملك السلطة في تويتر أعانه الله، لطلبت من كل شخص يود أن يضع هاشتاقا ملفا أخضر علاقا يحتوي على ورقة صحية من قبل المركز النفسي، تفيد بأن مطلق الهاشتاق خال من الأمراض النفسية والعصبية، وتزكية من عدد من الجيران، وبصمة أصبع من الأب والأم تشير إلى أن صاحب الهاشتاق عاش طفولة عادية جداً، وكان يهوى لعب كرة القدم مع أولاد الحارة، وكانت درجاته في المدرسة ما بين جيد ومقبول، بعدها سأسمح له بوضع هاشتاق، والله يعين الجميع على مثل هذه العقليات الصعبة.