الطبيب السعودي للعلم هو أفضل الأطباء على مستوى الوطن العربي، لكن وزارة الصحة تخذله بالراتب الزهيد الذي يتقاضاه إذا ما تمت مقارنة راتبه براتب طبيب عربي يحمل جنسية أجنبية
في إحدى محاضرات الجامعة في البحرين، سأل الدكتور الأردني الطلبة والطالبات في القاعة عن مفهوم العولمة، وتدرج في حديثه إلى أن وصل إلى مبتغاه، وطرح سؤالاً مبطنا إذا ما كنا نتفق مع استقدام الخبرة، وهل نحن مع ضرورة الاحتراف، ولمن أكن وقتها أفهم معنى الاحتراف، أو ماذا يقصد بهذا المصطلح؟ وطبعاً رجحت سؤاله أنه يقصد هل من الضرورة استقدام الأجنبي ليحترف العمل مع المواطنين، سواء أكان ذلك في الرياضة أو في أي مجال آخر؟ وقد فوجئت برد أحد الطلبة وكان لاعب سباحة في أحد الأندية البحرينية، قائلاً له: بالتأكيد يا دكتور أنا مع الاحتراف بشكل كامل، إننا مثلاً في فريق السباحة لدينا أكثر من لاعب محترف وقد استطعنا أن نطور من موهبتنا بشكل لافت، فاللاعب الأجنبي يتميز بأن موهبته تسيطر على كامل حياته، وهذا ما يجعل موهبته وقدراته البدنية تصل إلى أعلى قمتها، عدانا نحن الذين تصبح الموهبة التي نمتلكها مجرد استكمال مستقطع من أوقاتنا، وأضاف: لقد بدأنا نشعر بالفارق الكبير بيننا وبينهم، وبقدرتهم الكبيرة على تطوير مهاراتهم يوماً بعد يوم، في حين أننا نقف عند حد معين لم نستطع أن نتجاوزه، لكن بفضل وجودهم واحتكاكنا بهم، شعرنا ماذا تعني أن تكون ماهراً فيما تقدمه، ما قاله الطالب كتبته نصا هنا، لم أزد حرفا ولم أنقص كلمة، وحينها نظر الدكتور، الذي كان مسيحي الديانة طويلاً إلى الطالب وقال: تقول ذلك وأنت كما يبدو من لحيتك الطويلة أنك متدين، أمر عجيب لكن إجابتك أسرتني ويبدو أني أوافقك الرأي.
مضى على هذا الحوار أعواماً طويلة، لذا، بدأت أتفاعل مع فكرة الاحتراف في الأندية، فقط بسبب ما قاله هذا الطالب، الذي لا أذكر اسمه، لكن ماذا على الجانب الآخر من الاحتراف وأعني به استقدام ذوي الخبرة إلى المملكة للاستفادة منهم، هل بالفعل جاء استقدام هذه العقول إلى وطننا بالنفع، أم أنه عزز من شعور بعض المواطنين بالخذلان؟
سبب مقالي أنني جئت إلى باريس بهدف العلاج، والحمد لله الأمور بدت طيبة للغاية، حيث حظيت باهتمام كبير وشعرت بمدى اللطف في التعامل معي كمريضة، ومن خلال خبرتي البسيطة أستطيع القول إنه يمكن لي أن أفهم الطبيب الجيد من الطبيب المعتوه، أو الطبيب اللي ماله خلق لعلاج مرضاه، وفي المستشفى الفرنسي الذي أجريت فيه الفحوصات وأقمت به عدداً من الأيام، علمت أن هناك أطباء قاموا بعمليات جراحية صعبة وحققوا من خلالها نجاحات مبهرة جداً على مستوى العالم، كما أن سمعة المستشفى العالمية تعود إلى أنه يقدم لزائريه أعلى مستوى في الخدمات الطبية، و90% من الأطباء هم فرنسيون يجيدون التحدث باللغة الإنجليزية، أي أن زيتهم في دقيقهم، كما يقول المثل، وهو ما لا نجده في السعودية، إشكالية الاحتراف لدينا في المملكة مفهومها خاطئ للغاية، من الطبيعي أن تجد نادياً يدفع الملايين كي يجلب لاعباً واحداً فقط للفريق، في ذات الوقت وزارة الصحة لا تقوم بذلك، إنها تدفع في المكان الخطأ كي تجلب أطباء خطأ ليعالجونا، إذاً هناك فجوة كبيرة في عدم فهم الوزارة لاحتياجات المواطنين والوافدين على حد سواء، وتأتي على رأسها النقص الشديد الذي تعاني منه المستشفيات الحكومية في المعدات الطبية، حتى إنها تطلب من بعض أهالي المرضى إحضار شاش وقطن ومطهرات لمرضاهم.
المشكلة الأخرى التي على وزير الصحة أن يقف أمامها طويلاً، أنني كمواطنة سعودية أفضل على الدوام أن يشرف على علاجي طبيب سعودي لا طبيب أجنبي، لإيماني الشديد جداً بقدرة وموهبة الطبيب السعودي الذي يعمل باجتهاد وصبر كبير. الطبيب السعودي للعلم هو أفضل الأطباء على مستوى الوطن العربي، وأقولها وأنا واثقة تماماً مما أكتبه، لكن وزارة الصحة تخذله بعدم الثقة وبالراتب الزهيد الذي يتقاضاه إذا ما تمت مقارنة راتبه بطبيب عربي يحمل جنسية أجنبية، فهل يعقل طبيب قلب متخرج من أفضل جامعات كندا، ويحصل مثلاً على 30 ألف ريال سعودي، في مقابل طبيب عربي يحمل جنسية أميركية يحصل على 90 ألف ريال؟ وهل يعقل أن الأطباء السعوديين الذين يعملون في المستشفيات الحكومية، يقومون بالعمل مساءً في مستشفيات خاصة، لأن الراتب ما يكفي الحاجة؟
أين الاستثمار الحقيقي للطبيب السعودي، أين تكمن أهمية المحافظة عليه وتطويره ودعمه، وهو يرى أنه الأكثر مهارة من الأجانب الذين استقدموا لبعض المستشفيات نظير خبرتهم، لكن الحقيقة المرة والبائسة أن الطبيب السعودي لا يكتسب أي شيء من هذه الخبرة، ولا يستفيد من فكرة احتراف الأطباء الأجانب كما يستفيد اللاعبون على سبيل المثال.
وزارة الصحة يلزمها أن تضع ثقتها الكبيرة في أطبائنا الذين يبشرون بالخير، والذين نفرح بوجودهم في جميع التخصصات، ناجحون وبارعون ومليئون بالثقة الشخصية، لكنهم أيضاً يريدون التحفيز والرعاية من قبل الوزارة، والتعامل مع تخصصاتهم النادرة على اعتبار أنهم يقدمون خدمات جليلة للمواطنين.
الأطباء السعوديون نحن معكم، وندرك تماماً قيمتكم، حتى إن لم تدركها وزارة الصحة، فنحن بأمس الحاجة إليكم، صغيرنا وكبيرنا.