الرئاسة الإدارية تعتمد في ممارستها لوظائفها على سلطة محددة تستند إليها، والسلطة هنا مصدرها الوظيفة الرسمية، فالرئيس شخص يختص بالإشراف على أداء العمل وفقاً للأنظمة والتعليمات الموضوعة، ويطيعه الموظفون بحكم منصبه الرسمي وفق الأنظمة
تقول الحكاية إن أحد الرؤساء الإداريين، قد أصدر قراراً يخالف الأنظمة والقوانين ويمس حقوق الموظفين.. وقد قوبل هذا القرار، إما بعدم الاقتناع من قبل عدد من مديري الإدارات، وإما باستهجان غير معلن من قبل عدد آخر، وقد أصرّ أحد الموظفين على عدم تنفيذ القرار، وكان من الموظفين القلائل الذين يؤدون العمل على الوجه المطلوب، كما أنه لم تحم حوله أي شبهة تتعلق بالفساد الإداري، غير أن ذلك لم يشفع له، ولهذا فقد أمر مدير الإدارة بعدم إعطائه أياً من الحوافز المتمثلة في خارج الدوام والانتدابات والدورات التدريبية، وكان مثل هذه الحوافز يحظى بها أولئك الذين يمثلون نماذج للتسيب الإداري، ولا يؤدون العمل على الوجه المطلوب!.
وعندما لم تجد تلك العقوبات المقنعة مع الموظف، وجه إليه مدير الإدارة (لفت نظر)، وبعدها أمر الرئيس بتوجيه عقوبة اللوم إليه، لأنه يخالف التعليمات، ولا يلتزم بتنفيذ الأوامر، ولا يطيع رؤساءه، ووضعت نسخة من العقوبة في ملفه حتى تكون وصمة عار تنتقل معه حيثما انتقل، ومع ذلك لم يرض الرئيس الإداري بتلك العقوبات، والذي كان يتابع تطورات الموقف باهتمام بالغ، ويعطي توجيهات بين الحين والآخر، وكان آخر توجيه صدر منه هو إيقاف ترقية ذلك الموظف التي يستحقها بجدارة حتى يستجيب للقرار وللأوامر!.
الحكاية السابقة عبارة عن حالة واقعية أو نموذج لعدم إطاعة أوامر وقرارات الرئيس الإداري في بعض الجهات الحكومية، حيث يقف الموظف الحكومي حائراً أمام قرارات الرئيس.. فهل يقوم بتنفيذها وهي تخالف الأنظمة والقوانين؟، وما مدى مسؤوليته حول تنفيذ هذا القرار؟ وهل جميع أوامر الرئيس تجب طاعتها مهما كانت؟، وهل يحق للرئيس الإداري مساءلة الموظف في حال عدم تنفيذ قراراته وإيقاع العقوبات الإدارية عليه؟ وما هي السلطات الوظيفية الممنوحة للرئيس في هذا المجال؟... الخ.
هناك الكثير من الأسئلة التي يطرحها الموظفون حول طاعة الرئيس، والخوف من بطشه هو السائد بين الموظفين، إذ يعتقد البعض أن للرئيس سلطات وصلاحيات مطلقة ضمنتها له أنظمة ولوائح الخدمة المدنية، التي تلزم بوجوب طاعة السلطة الرئاسية، حيث تنص الفقرة (ج) من المادة (11) من نظام الخدمة المدنية على أنه يجب على الموظف أن يخصص وقت العمل لأداء واجبات وظيفته، وأن ينفذ الأوامر الصادرة إليه بدقة وأمانة في حدود النظم والتعليمات، وهذه المادة تؤكد على أهمية وضرورة واجب الطاعة للسلطة الرئاسية.
كما أن هيئة التأديب السابقة، أكدت على هذا الواجب، حيث جاء في أحد أحكامها النص التالي: إطاعة الموظف لرؤسائه وامتثاله لأوامرهم باعتبارهم أكثر إدراكاً للعمل واحتياجاته، وبالتالي أكثر قدرة ودراية على مواجهة وحل مشكلاته، بالإضافة إلى أن الرئيس هو المسؤول الأول عن سير العمل في الوحدة التي يرأسها.
وفي هذا الصدد يقول أحد المختصين في الخدمة المدنية حول واجبات الموظفين ما نصه: يدخل في نطاق الأداء الوظيفي تنفيذ الموظف للأوامر والقرارات الصادرة إليه وإن كان الموظف يعتقد عدم نظامية هذه الأوامر والقرارات، بل إن عليه في هذه الحالة التنفيذ ثم الاعتراض بالطرق النظامية، لأن اعتراضه قبل التنفيذ يعتبر نوعاً من التحدي والعصيان للقرار الحكومي.
وبناءً على ما سبق، أقول: بأن الرئاسة الإدارية تعتمد في ممارستها لوظائفها على سلطة محددة تستند إليها، والسلطة هنا مصدرها الوظيفة الرسمية، فالرئيس بهذا المفهوم هو شخص يختص بالإشراف على أداء العمل وفقاً للأنظمة والتعليمات الموضوعة، ويطيعه الموظفون بحكم منصبه الرسمي وفق الأنظمة والقوانين، ويفترض هنا أن يكون الرئيس من الكفاءات الجديرة بهذا المنصب، ولكن الواقع في بعض الجهات الحكومية هو التدرج في المناصب حسب الأقدمية والمحسوبية والواسطة في حال تساوي المؤهلات العلمية.
وعلى هذا الأساس، يتولى المناصب الرئاسية من هم غير جديرين بها، وبالتالي لا يدركون العمل واحتياجاته، ويستغلون مناصبهم في أعمال غير مشروعة، ويصدرون قرارات غير نظامية، وفي حال تنفيذها من قبل الموظف مجبراً، فإنه يقع تحت طائلة المساءلة والعقوبة حتى وإن قام بالاعتراض عليها حسب الطرق النظامية، وعليه يمكن القول إن الموظف واقع تحت العقوبة لا محالة سواءً عن طريق الرئيس أو حسب النظام.. فأين المفر؟!.
نصت المادة (34) من نظام تأديب الموظفين على أنه يعفى الموظف من العقاب في المخالفات المالية والإدارية إذا كانت (عادية) وكان ارتكابه لها بناء على أمر مكتوب صادر إليه من رئيسه بالرغم من مصارحة الموظف له بأن الفعل المرتكب يؤدي إلى وقوع المخالفة، أما إذا كانت المخالفة (غير عادية) فإن الموظف لا يعفى من العقوبة، ولو كان تنفيذه للأمر بناء على توجيه مكتوب من رئيسه المباشر.
وهنا أتساءل: ما المعيار الذي يميز بين المخالفات العادية وغير العادية؟، علماً بأن بعض القرارات الإدارية تكون في شكلها قانونية وفي مضمونها مخالفة للقانون، وقد تكون بسيطة في شكلها وفي مضمونها جسيمة، ناهيك عن العقوبات الإدارية التي ينتظرها الموظف من قبل الرئيس الإداري في حال امتناعه عن تنفيذ القرار؟.
فالوضع السائد في بعض الجهات الحكومية، يشجع على مخالفة اللوائح والقوانين والأنظمة، وسلب رأي الموظفين وفكرهم، فالسلطات الإدارية مطلقة وغير مقيدة بالقانون، وهناك رؤساء غير أكفاء، والقرارات الإدارية التي يشوبها الفساد تكون في الغالب توجيهات شفهية غير مكتوبة أو تكون مكتوبة بناءً على شكلية الأنظمة ظاهرياً، وعقوبات إدارية مشددة في حال الامتناع عن تنفيذ الأوامر غير المشروعة.. وبالتالي كيف يمكن تغيير هذا الوضع الإداري السيئ، الذي يذهب ضحيته الموظفون المبدعون والأكفاء؟.. أترك الإجابة عن هذا السؤال لوزارة الخدمة المدنية (لعل وعسى)، فالأمر معقد يحتاج إلى تفصيل وتوضيح أكثر.