إن العـلاج ليـس (آيبـاد) أو (بـلاك بـيري). إنـه حاجة ضـرورية نحتـاجها لنتـمتع بالصـحة والعــافية الــتي تخــولنا للقـيام بواجبــاتنا الأســاسية تجـــاه وطــن نحــبه ونعشــقه

اعتدت أن أفتتح الحوار مع جيراني. سواء في المطار أو في المستشفى في صالة الانتظار. لكن هذه المرة كانت آلام أسناني فظيعة. لم أكن أستطيع أن أنبس ببنت شفة. كنت أسأل المولى عز وجل أن يعجل بدخولي إلى الطبيب لعله يجد لي مخرجا. وخلال انتظاري للطبيب ابتسم في وجهي أحدهم. كان يرتدي ثوبا ويعتمر شماغا وتتدلى من ذقنه لحية طويلة شقراء. تقمص دوري وبادر بسؤالي: من هو الدكتور الذي تنتظره يا أخي الكريم؟. أجبته على الفور: الدكتور عادل، طبيب الأسنان. ثم أتبعه بسؤال آخر: هل لديك تأمين طبي؟. فقلت له: نعم ولله الحمد. لكن لا يشمل علاج الأسنان. فابتسم مجددا وقال لي إنني من السعوديين المحظوظين القلائل الذين التقاهم ولديهم تأمين طبي. سألته وأنا أقاوم آلامي: وماذا عنك، هل لديك تأمين؟. قال لي: نعم، لأني غير سعودي. فمن الشروط التي فرضتها وزارة العمل على أرباب العمل منح المقيمين تأمينا شاملا. واسترسل في إجابته مشفقا على أبناء جلدتي قائلا: يحزنني أن معظم السعوديين لا يملكون تأمينا. لدي أربعة زملاء سعوديين يعملون معي في نفس الشركة رواتبهم دون الأربعة آلاف ينتحبون آناء الليل وأطراف النهار إثر سوء الخدمات الصحية العامة وعدم استطاعتهم التردد على الخاصة. وزاد المهندس المصري محمد القادم من سوهاج ألمي ألما عندما أخبرني أنه اضطر في إحدى المرات أن يصطحب ابن زميله السعودي إلى مستشفى خاص على أنه ابنه ليتلقى العلاج اللازم بعد سلسلة معاناة مع المستشفيات العامة.
ذهب لاحقا ألم أسناني وبقي ألم أشد وطأة وأطول عمرا. إنه الألم الذي ألمسه في معاناة المواطنين مع الخدمات الصحية. فمعظمهم لا يحصلون على العلاج الذي يستحقونه. الطوابير طويلة والأسرة محدودة. الأخطاء غفيرة والمبررات واهية.
إن أي شخص تتسنى له الإقامة في أي دولة تتمتع باقتصاد متين كالمملكة سيجد أن الخدمات الصحية تتوافر له ولعائلته دون تسول أو تجول.
إنها خدمات تلقائية سيظفر بها عن طريق تأمين صحي أو بشكل مباشر. في بريطانيا مثلا يستطيع أي مواطن أو مقيم أن يحصل على أفضل الخدمات الطبية بالتسجيل فقط في (الجي بي) أو الطبيب العام الموجود في الحي الذي يقطنه. وهذا الطبيب يقوم بتحويله إلى المستشفى العام أو الاختصاصي إذا استدعت الحاجة.
مازلت أتذكر العناية الصحية التي حظي بها ابن صديقي عندما تعرض لوعكة صحية مفاجئة في برمنغهام البريطانية. فقد تلقى الطفل اهتماما كبيرا من الطبيب والممرضة وسط غابة من الألعاب التي جففت دموع طفله الوحيد. وقد كانت مفاجأة صديقي كبيرة عندما استقبل في اليوم التالي ممرضتين جاءتا خصيصا إلى منزله للاطمئنان على صحة طفله وهما يحملان هدية صغيرة وابتسامة كبيرة. يقول صديقي: شعرت أن ابني مهم. أنني إنسان.
هذه الخدمات والعناية الصحية الأساسية لم لا تتوافر لنا في المملكة؟ لم لا تتوافر لنا مواطنين ومقيمين على حد سواء؟ نحن نستحق ذلك. إن العلاج ليس (آيباد) أو (بلاك بيري). إنه حاجة ضرورية نحتاجها لنتمتع بالصحة والعافية التي تخولنا للقيام بواجباتنا الأساسية تجاه وطن نحبه ونعشقه.
شخصيا أُقيّم أي بلد أزوره من خلال مستشفياته ومراكزه الصحية فهي تجسد الاهتمام بالمواطن من عدمه. فلا ناطحات السحاب ولا المجمعات الهائلة تشغلني. إنها ليست لكل الناس كالمستشفيات التي يرتادها الغني والفقير. الصغير والكبير.
خدماتنا الصحية بحاجة إلى علاج. علاج يعيد الهدوء إلى الأجساد التي تغص بالألم والوجع. كم هو مؤلم أن يعود محمد إلى سوهاج ويروي إلى أصدقائه كم مريض بيننا. كم مريض لا يستطيع أن يعالج ابنه ويطفئ ألمه.