التغيير يبدأ من الداخل، من أنفسنا قبل أي شيء، أو أي أحد. لنعرض مشاعرنا نحن السنة تجاه إخوتنا في الوطن من الشيعة، والعكس صحيح، لنصحح هذه المشاعر جيدا، إن كانت تقف ضد الآخر، أو تحرض عليه
حينما وقف الرسول صلى الله عليه السلام في خطبته في حجة الوداع قائلا: إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا، قدم للمسلمين درسا مؤكدا عن حرمة الاعتداء على حياة الإنسان التي حرم الله قتلها. وهو بذلك كان يؤكد ما ذكره الله عز وجل في القرآن عن حرمة هذه النفس ولا يقتلون النفس التي حرم اللَّه الفرقان/68، وإقرانه سبحانه لقتلها كقتل للناس كلهم، وإحيائها إحياء للناس جميعا، وكأنه يختزل الحياة كلها في نفس بشرية واحدة تؤدي الرسالة التي خلق الله البشر لأجلها في إعمار الأرض (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) المائدة/32.
الأحداث المأساوية التي تعرض لها وطننا الغالي قبل أيام، من استشهاد أطفال، وشباب المصلين في حسينية قرية الدالوة بالأحساء، ومن أُصيب معهم، واستشهاد رجلي أمن قدما روحهما للقبض على المتسببين في ذلك الاعتداء الغاشم، جميعها أمور تُدمي القلب وتُصيب الوحدة الوطنية المرتجاة في مقتل، وتخالف جميع الأوامر الإلهية والنصوص الشرعية التي تحرم سفك الدماء والاستهانة بالقتل. فالاستهانة بسفك دماء الآخرين بلغ مداه في السنوات الأخيرة في جميع البلدان الإسلامية، وأصبحت رؤية الدم أمرا لا غرابة فيه، والأمر أنه أصبح يُستباح باسم الإسلام، وتُجزّ الرؤوس بعد ذكر اسم الله والتكبير، ويختم بالحمد والشكر على هذه القسوة والبشاعة. ومن العجيب أن المسلم يتجرأ ببسط يده وسلاحه وسوء نواياه لقتل أخيه المسلم، من ينطق بذات الشهادة لإله واحد حرم دماءهم بينهم، مسلمٌ يتبع ذات النبي الذي كانت رسالته إنسانية بالمقام الأول، ويتجه مثله في صلواته إلى قبلة واحدة أُعلنت من جوارها حرمة دماء المسلمين كحرمة ذلك المكان في ذاك الزمان.
كشف هذا الحدث جليا عن أن اللاوعي لدى الأغلبية السنية تُحارب الشيعة وتؤمن بوجوب معاداتهم وقتالهم، أو على الأقل التشكيك في نواياهم وإقصائهم، مما خلق بيننا فجوة بين المجتمع السني والمجتمع الشيعي في هذا الوطن. لم نسمع أو نر تسامحا معيشيا له إلا في واحة الأحساء وبعض المناطق المحدودة الأُخرى. هذا اللاوعي العدائي زرعه في المتلقي، الذي أسلم عقله وجوارحه بكل استسلام ورضا، زرعه دعاة الفتن ورعاة الكراهية والتحريض والإقصاء الذين ما إن شعروا بأن لهم يدا في نزع الإنسانية عن الشعور بالآخرين، حتى انسلّوا بخبث من تلك الخطابات المحرضة وكأنه لم تكن لهم فيها يدٌ مباشرة أو غير مباشرة.
صرخت الأحساء، فنهض الإنسان داخل من بقيت داخله نزعة إنسانية صادقه يُنكر ويدين، ونهض من يهمه أمن الوطن وسلامته على قلبٍ واحد، وقدم المخلصون دماءهم لحصار هذه الشرذمة الشيطانية، وكُتبت منذ تلك الليلة حتى هذا الصباح عشرات المقالات والرؤى والتحليلات. كل هذا يُشعر المتابع بالفخر والرضا عن خروج الكثير عن العقل الجمعي المعادي للآخر والعودة إلى الفطرة السليمة والإنسانية التي ترى في القتل والدم وأسبابهما تعارضا معها، والحرص على الوطن ومصالحه ووحدته الاجتماعية. ولكن كل هذا لا يكفي والتنظير دون واقع عملي يحمي الإنسان والمكان من قادم مجهول لا يُتكهن به ونحن على فوهة بركان الفتن والاقتتال الطائفي المحيط بنا في الدول المجاورة. فينبغي أن تُسن قوانين عاجلة، صارمة وواضحة ضد التحريض الطائفي والعنصري بكل أشكاله ومن أي طرف، ففي فرض القوانين حلٌ لكثير من مشاكلنا المتراكمة وضمان عدم حدوث الأسوأ مستقبلا.
بعد إدانة واستنكار المؤسسات الرسمية كهيئة كبار العلماء لهذا العمل المشين، انبرى كثير من الأصوات التي لم نعهد منها اعتدالا تجاه الشيعة من قبل، ولا تجاه الكثير من القضايا المذهبية الأخرى، انبرت تدين وتستنكر هي الأخرى. وبنظرة إيجابية نتمنى أن تكون بداية تغيير في الخطاب المتشدد السائد منذ سنوات في مجتمعنا. وألا تكون تلك الأصوات المستنكرة هنا وهناك تسجل موقفا مشابها للمؤسسات الحكومية الرسمية فقط لإرضائها وإرضاء المجتمع بينما الواقع الدفين يخالف هذا.
أصحاب التطرف والإرهاب والتحريض المذهبي، المنحرفون عن الإنسانية السوية تجاه القتل، لن يترددوا في جعل الوطن حمام دم في أي لحظة أو سانحة تتهيأ لهم. ويبقى أمن الوطن وحمايته ومواطنيه من فتن الطائفية والتحزب والإرهاب قضيتنا الأولى والأهم، وحماية الداخل ضمان من عدم وصول فتن واقتتال دول الجوار إلينا.
التغيير يبدأ من الداخل، من أنفسنا قبل أي شيء، أو أي أحد. لنعرض مشاعرنا نحن السنة تجاه إخوتنا في الوطن من الشيعة، والعكس صحيح، لنتخبر هذه المشاعر جيدا ونصححها إن كانت تقف ضد الآخر أو تسيء إليه أو تحرض عليه ولو في الرفض والإقصاء أو عدم المبالاة لأمرهم وأمر وطن واحد يجمعنا. بهذا التصحيح المبتدئ من الداخل الشخصي جدا نتوسع بطريقة صحيحة في منظومة تسامح وتقبّل، تخلق الأمن والتعايش السلمي في المجتمع الواحد وتمتد لتشمل جميع الوطن.
رحم الله شهداء الأحساء وشهداء الأمن، وأحسن الله عزاء أسرهم وعزاء الوطن فيهم وفيمن يكيد له من الكائدين.